تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
ففي هذا الحديث تعذيب العامة بذنوب الخاصة . قال علماؤنا : فالفتنة إذا عمت هلك الكل وذلك عند ظهور المعاصي ، وانتشار المنكر وعدم التغيير . وإذا لم تغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها . روى ابن وهب عن مالك قال : تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارا ولا يستقر فيها . واحتج بصنيع أبى الدرداء في خروجه عن أرض معاوية حين أعلن بالربا ، فأجاز بيع سقاية الذهب بأكثر من وزنها . فإن قيل : فقد قال اللَّه - تعالى - ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وقال : كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ . وهذا يوجب ألا يؤخذ أحد بذنب أحد ، وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب ؟ فالجواب أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره ، فإذا سكت عليه فكلهم عاص هذا بفعله وهذا برضاه ، وقد جعل اللَّه في حكمه الراضي بمنزلة العامل فانتظم في العقوبة « 1 » . وقال بعض العلماء : وذكر القسطلاني « أن علامة الرضا بالمنكر عدم التألم من الخلل الذي يقع في الدين بفعل المعاصي ، فلا يتحقق كون الإنسان كارها له ، إلا إذا تألم للخلل الذي يقع في الدين ، كما يتألم ويتوجع لفقد ماله أو ولده . فكل من لم يكن بهذه الحالة ، فهو راض بالمنكر ، فتعمه العقوبة والمصيبة بهذا الاعتبار « 2 » . وبعد أن أمر - سبحانه - المؤمنين بالاستجابة له ونهاهم عن الوقوع في المعاصي . . أخذ في تذكيرهم بجانب من فضله عليهم فقال : * ( واذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ . . . ) * . أي : * ( اذْكُرُوا ) * يا معشر المؤمنين * ( إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ ) * أي : وقت أن كنتم قلة مستضعفة في أرض مكة تحت أيدي كفار قريش . أو في أرض الجزيرة العربية حيث كانت الدولة لغيركم من الفرس والروم . وقوله : * ( تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ ) * أي : تخافون أن يأخذكم أعداؤكم أخذا سريعا . لقوتهم وضعفكم . يقال خطفه - من باب تعب - أي : استلبه بسرعة .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 7 ص 391 . ( 2 ) تفسير القاسمي ج 8 ص 2977 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 78 | سيد محمد طنطاوي