تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
والفتنة : من الفتن . وأصله - كما يقول الراغب - : إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته ، واستعمل في إدخال الإنسان النار . كما في قوله - تعالى - ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ أي : عذابكم . وتارة يسمون ما يحصل عنه العذاب فتنة فيستعمل فيه نحو قوله - تعالى - : أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا . وتارة في الاختيار نحو قوله - تعالى - وفَتَنَّاكَ فُتُوناً « 1 » . والمراد بالفتنة هنا العذاب الدنيوي ، كالأمراض ، والقحط ، واضطراب الأحوال ، وتسلط الظلمة ، وعدم الأمان . . وغير ذلك من المحن والمصائب والآلام التي تنزل بالناس بسبب غشيانهم الذنوب ، وإقرارهم للمنكرات ، والمداهنة في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . والخطاب لجميع المؤمنين في كل زمان ومكان . فالمعنى : داوموا أيها المؤمنون على طاعة اللَّه بقوة ونشاط ، واحذروا من أن ينزل بكم عذاب سيعم عند نزوله الأخيار والفجار والمحسنين والمسيئين . وقوله ، * ( واعْلَمُوا أَنَّ اللَّه شَدِيدُ الْعِقابِ ) * المراد منه الحث على لزوم الاستقامة خوفا من عقاب اللَّه - تعالى - . أي : واعلموا أن اللَّه شديد العقاب لمن خالف أمره ، وانتهك حرماته . قال صاحب الكشاف : وقوله * ( لا تُصِيبَنَّ ) * لا يخلو من أن يكون جوابا للأمر ، أو نهيا بعد أمر ، أو صفة لفتنة . فإذا كان جوابا فالمعنى : إن أصابتكم لا تصيب الظالمين منكم خاصة ولكنها تعمكم . . . وإذا كانت نهيا بعد أمر فكأنه قيل : واحذروا ذنبا أو عقابا ، ثم قيل : لا تتعرضوا للظلم فيصيب العقاب أو أثر الذنب ووباله الجميع وليس من ظلم منكم خاصة . فإن قلت : كيف جاز دخول النون المؤكدة في جواب الأمر ؟ قلت : لأن فيه معنى النهى - ومتى كان كذلك جاز إدخال النون المؤكدة - كما إذا قلت : انزل عن الدابة لا تطرحك أو لا تطرحنك . ومنه قوله - تعالى - : يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وجُنُودُه « 2 » . وقوله * ( خَاصَّةً ) * منصوب على الحال من الفاعل المستكن في قوله * ( لا تُصِيبَنَّ ) * . ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف . والتقدير : إصابة خاصة .
هامش
( 1 ) المفردات في غريب القرآن ص 371 للراغب الأصفهاني . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 211 - بتصريف يسير -