تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
عليه وسلم - ثم يحدثون به المشركين . . « 1 » . قال ابن كثير : والصحيح أن الآية عامة وإن صح أنها وردت على سبب خاص فإن الأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب هو المعتمد عند الجماهير من العلماء . وقوله * ( لا تَخُونُوا ) * من الخون بمعنى النقص . يقال خونه تخوينا أي : نسبه إلى الخيانة ونقصه . قال صاحب الكشاف : معنى الخون : النقص ، كما أن معنى الوفاء التمام . ومنه تخونه إذا تنقصه ، ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه . وقد استعير فقيل : خان الدلو الكرب - والكرب حبل يشد في رأس الدلو - وخان المشتار السبب . والمشتار مجتنى العسل والسبب الحبل - لأنه إذا انقطع به فكأنه لم يف له » « 2 » . والمقصود بخيانة اللَّه : ترك فرائضه وأوامره التي كلف العباد بها ، وانتهاك حرماته التي نهى عن الاقتراب منها . والمقصود بخيانة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم : إهمال سننه التي جاء بها وأمرنا بالتقيد بتعاليمها . والمقصود بالأمانات : الأسرار والعهود والودائع وغير ذلك من الشؤون التي تكون بينهم وبين غيرهم مما يجب أن يصان ويحفظ . والمعنى : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّه ) * بأن تهملوا فرائضه ، وتتعدوا حدوده ، ولا تخونوا * ( الرَّسُولَ ) * صلى اللَّه عليه وسلم ، بأن تتركوا سنته وتنصرفوا إلى غيرها ، وتخالفوا ما أمركم به وتجترحوا ما نهاكم عنه ، ولا تخونوا * ( أَماناتِكُمْ ) * بأن تفشوا الأسرار التي بينكم ، وتنقضوا العهود التي تعاهدتم على الوفاء بها ، وتنكروا الودائع التي أودعها لديكم غيركم ، وتستبيحوا ما يجب حفظه من سائر الحقوق المادية والمعنوية ، فقوله : * ( وتَخُونُوا أَماناتِكُمْ ) * معطوف على قوله * ( لا تَخُونُوا ) * . وأعاد النهى للإشعار بأن كل واحد من المنهي عنه مقصود بذاته اهتماما به . وقوله : * ( وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) * الواو للحال ، والمفعول محذوف . أي . والحال أنكم تعلمون سوء عاقبة الخائن للَّه ولرسوله وللأمانات التي اؤتمن عليها ، فعليكم أن تتجنبوا الخيانة في جميع صورها لتنالوا رضى اللَّه ومثوبته .
هامش
( 1 ) راجع تفسير بن جرير ج 9 ص 221 . وتفسير الفخر الرازي ج 5 ص 151 وابن كثير ج 2 ص 300 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 213 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 81 | سيد محمد طنطاوي