تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
هذا ، وقد دلت الآية الكريمة على وجوب الإقلاع عن المعاصي ، ووجوب محاربة مرتكبيها ، فإن الأمة التي تشيع فيها المعاصي والمظالم والمنكرات . . ثم لا تجد من يحاربها ويعمل على إزالتها ، تستحق العقوبة جزاء سكوتها واستخذائها وجبنها . وقد ذكر بعض المفسرين أن هذه الآية الكريمة نزلت في حق بعض الصحابة الذين اشتركوا في واقعة الجمل فيما بعد . ولكن هذا القول غير صحيح لأن الآية الكريمة تخاطب المؤمنين جميعا في كل زمان ومكان ، وتأمرهم بالبعد عن المعاصي والمنكرات التي تفضى بهم إلى العذاب الدنيوي قبل الأخروى . وليست خاصة بفريق دون فريق . لذا قال ابن كثير : والقول بأن هذا التحذير يعم الصحابة وغيرهم هو الصحيح ، ويدل عليه الأحاديث الواردة في التحذير من الفتن . ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد عن عدى بن عميرة قال : سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول : « إن اللَّه - تعالى - لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه ، فإذا فعلوا ذلك عذب اللَّه الخاصة والعامة » . وروى الإمام أحمد أيضا عن جرير بن عبد اللَّه أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي وهم أعز وأكثر ممن يعملون ، ثم لم يغيروه ، إلا عمهم اللَّه بعقاب » « 1 » . وقال الإمام القرطبي : قال ابن عباس : أمر اللَّه المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب . ففي صحيح مسلم عن زينب بنت جحش أنها سألت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقالت له : يا رسول اللَّه ، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : « نعم إذا كثر الخبث » . وفي صحيح الترمذي : « إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه ، أو شك أن يعمهم اللَّه بعقاب من عنده » . وفي صحيح البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « مثل القائم على حدود اللَّه والواقع فيها كمثل قوم استهموا - أي اقترعوا - على سفينة فأصاب بعضهم أغلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا ، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا » .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 299 - وهناك أحاديث أخرى ذكرها في هذا فراجعها إن شئت .