تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
وإنما حسن إطلاق لفظ القلب على الأماني الحاصلة في القلب ، لأن تسمية الشيء باسم ظرفه جائزة كقولهم : سال الوادي ، « 1 » . والذي نراه أن القول الثاني أولى بالقبول ، لأن الآية الكريمة ساقته لحض المؤمنين على سرعة الاستجابة للحق الذي دعاهم إليه رسوله صلى اللَّه عليه وسلم والذي باتباعه يحيون حياة طيبة ، وتذكيرهم بيوم الحساب وما فيه من ثواب وعقاب ، كما قال - تعالى - في ختامها * ( وأَنَّه إِلَيْه تُحْشَرُونَ ) * . وليست مسوقة لإثبات قدرة اللَّه ، وأنه أملك لقلوب عباده منهم : وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء . فالمعنى الذي ذكره ابن جرير - وتابعه عليه ابن كثير وغيره ، معنى وجيه في ذاته ، إذ لا ينكر أحد أن اللَّه مقلب القلوب ومالكها . . ولكن ليس مناسبا هنا مناسبة المعنى الذي ذكره الزمخشري والرازي ، لأن الآية التي معنا والتي بعدها صريحتان في دعوة المؤمنين إلى الاستجابة للحق قبل أن يفاجئهم الموت ، وقبل أن تحل بهم مصيبة لا تصيب الظالمين منهم خاصة . والمعنى الإجمالي للآية الكريمة * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّه ولِلرَّسُولِ ) * بعزيمة صادقة ، وسرعة فائقة ، * ( إِذا دَعاكُمْ ) * الرسول - صلى اللَّه عليه وسلم - * ( لِما يُحْيِيكُمْ ) * أي لما به تحيون حياة طيبة من الأقوال والأعمال الصالحة * ( واعْلَمُوا ) * علما يقينا * ( أَنَّ اللَّه يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وقَلْبِه ) * أي يحول بين المرء وبين ما يتمناه قلبه من شهوات الدنيا ومتعها : فكم من إنسان يؤمل أنه سيفعل كذا غدا ، وسيجمع كذا في المستقبل ، وسيحصل على كذا قريبا . . ثم يحول الموت ويفصل بينه وبين آماله وأمانيه . . فبادروا إلى اغتنام الأعمال الصالحة من قبل أن يفاجئكم الموت . وقوله : * ( وأَنَّه إِلَيْه تُحْشَرُونَ ) * تذبيل قصد به تذكيرهم بأهوال يوم القيامة . والضمير في قوله * ( وأَنَّه ) * يعود إلى اللَّه تعالى - أو هو ضمير الشأن . أي : وأنه - سبحانه - إليه وحده ترجعون لا إلى غيره ، فيحاسبكم على ما قدمتم وما أخرتم ، ويجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر . فأنت ترى أن الآية الكريمة قد جمعت بين الترغيب . في العمل الصالح بسرعة ونشاط ، وبين الترهيب من التكاسل والغفلة عن طاعة اللَّه . ثم يؤكد - سبحانه - بعد ذلك ترهيبه لهم من التراخي في تغيير المنكر فيقول : * ( واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ، واعْلَمُوا أَنَّ اللَّه شَدِيدُ الْعِقابِ ) * .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 148 - وقد ذكر بضعة أقوال غير هذا القول فراجعه إن شئت .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 75 | سيد محمد طنطاوي