تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
هذا ، وللمفسرين في معنى هذه الجملة الكريمة أقوال متعددة أهمها قولان : أما القول الأول فهو أن المراد بالحيلولة بين المرء وقلبه - كما يقول ابن جرير - : أنه - سبحانه - أملك لقلوب عباده منهم وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء ، حتى لا يقدر ذو قلب أن يدرك شيئا من إيمان أو كفر ، أو أن يعي به شيئا ، أو أن يفهم إلا بإذنه ومشيئته ، وذلك أن الحول بين الشيء والشيء إنما هو الحجز بينهما ، وإذا حجز - جل ثناؤه - بين عبد وقلبه في شيء أن يدركه أو يفهمه ، لم يكن للعبد إلى إدراك ما قد منع اللَّه قلبه إدراكه سبيل ، وإذا كان ذلك معناه دخل في ذلك قول من قال : يحول بين المؤمن والكفر ، وبين الكافر والإيمان . وقول من قال : يحول بينه وبين عقله . وقول من قال : يحول بينه وبين قلبه حتى لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه . . فالخبر على العموم حتى يخصصه ما يجب التسليم له ، « 1 » . وقد رجح ابن جرير هذا القول بعد أن ذكر قبله بعض الأقوال الأخرى . وقال ابن كثير - بعد أن لخص القول الذي رجحه ابن جرير - : وقد وردت الأحاديث عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول : إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد ، يصرفها كيف شاء ، ثم قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : ( اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك ) . وروى : الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة عن النواس بن سمعان الكلابي قال : سمعت النبي صلى اللَّه عليه وسلم يقول : ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن رب العالمين ، إذا شاء أن يقيمه أقامه ، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه » « 2 » . أما القول الثاني فهو أن المراد بالحيلولة بين المرء وقلبه - كما يقول الزمخشري - « أنه - سبحانه - يميت المرء فتفوته الفرصة التي هو واجدها ، وهي التمكن من إخلاص القلب ومعالجة أدوائه وعلله ، ورده سليما كما يريده اللَّه ، فاغتنموا هذه الفرصة ، وأخلصوا قلوبكم لطاعة اللَّه ورسوله ، « 3 » . أو - كما يقول الفخر الرازي - بعبارة أوضح : « أن المراد أنه - تعالى - يحول بين المرء وبين ما يتمناه ويريده بقلبه ، فإن الأجل يحول دون الأمل . فكأنه قال : بادروا إلى الأعمال الصالحة ولا تعتمدوا على ما يقع في قلوبكم من توقع طول البقاء ، فإن ذلك غير موثوق به ،
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ج 9 ص 217 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 298 - باختصار يسير - ( 3 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 210 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 74 | سيد محمد طنطاوي