ولذا قال - تعالى - بعد ذلك : * ( ولَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وهُمْ مُعْرِضُونَ ) * أي : ولو أسمعهم سماع تفهم وتدبر ، وهم على هذه الحالة العارية من كل خير لتولوا عما سمعوه من الحق * ( وهُمْ مُعْرِضُونَ ) * عن قبوله جحودا وعنادا .
قال الفخر الرازي : قوله - تعالى : * ( ولَوْ عَلِمَ اللَّه فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ ولَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وهُمْ مُعْرِضُونَ ) * أي : أن كل ما كان حاصلا ، فإنه يجب أن يعلمه اللَّه ، فعدم علم اللَّه بوجوده من لوازم عدمه ، فلا جرم حسن التعبير عن عدمه في نفسه بعدم علم اللَّه بوجوده ، وتقرير الكلام : لو حصل فيهم خير لأسمعهم اللَّه الحجج والمواعظ سماع تعليم وتفهم ، ولو أسمعهم بعد أن علم أنه لا خير فيهم لم ينتفعوا به ، ولتولوا وهم معرضون » « 1 » .
ثم وجه - سبحانه - إلى المؤمنين نداء ثالثا أمرهم فيه بالاستجابة لتعاليمه ، وحذرهم من الأقوال والأعمال التي تكون سببا في عذابهم ، وذكّرهم بجانب من مننه عليهم ، فقال - تعالى - :
[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 24 إلى 26 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّه ولِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ واعْلَمُوا أَنَّ اللَّه يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وقَلْبِه وأَنَّه إِلَيْه تُحْشَرُونَ ( 24 ) واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً واعْلَمُوا أَنَّ اللَّه شَدِيدُ الْعِقابِ ( 25 ) واذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِه ورَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 26 )
قال القرطبي : قوله - تعالى - * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّه ولِلرَّسُولِ . . ) * هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف ، والاستجابة :
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 114 .