تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
ثم فصل - سبحانه - مظاهر رحمته للمؤمنين والمؤمنات أصحاب تلك الصفات السابقة فقال : * ( وَعَدَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ ) * . أي : * ( وَعَدَ اللَّه ) * بفضله وكرمه * ( الْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ ) * أي : من تحت بساتينها وأشجارها وقصورها * ( خالِدِينَ فِيها ) * في تلك الجنات خلودا أبديا . ووعدهم كذلك « مساكن طيبة » أي : منازل حسنة ، تنشرح لها الصدور وتستطيبها النفوس . وقوله : « في جنات عدن » أي في جنات ثابتة مستقرة . يقال : فلان عدن بمكان كذا ، إذا استقر به وثبت فيه ، ومنه سمى المعدن معدنا لاستقراره في باطن الأرض . وقيل : إن كلمه « عدن » علم على مكان مخصوص في الجنة ، أي في جنات المكان المسمى بهذا الاسم وهو « عدن » . ثم بشرهم - سبحانه - بما هو أعظم من كل ذلك فقال : * ( ورِضْوانٌ مِنَ اللَّه أَكْبَرُ ) * . أي أن المؤمنين والمؤمنات ليس لهم هذه الجنات والمساكن الطيبة فحسب وإنما لهم ما هو أكبر من ذلك وأعظم وهو رضا اللَّه - تعالى - عنهم ، وتجليه عليهم ، وتشرفهم بمشاهدة ذاته الكريمة ، وشعورهم بأنهم محل رعاية اللَّه وكرمه . والتنكير في قوله : * ( ورِضْوانٌ ) * للتعظيم والتهويل ، وللإشارة إلى أن الشيء اليسير من هذا الرضا الإلهى على العبد ، أكبر من الجنات ومن المساكن الطيبة ، ومن كل حطام الدنيا . روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « إن اللَّه - عز وجل - يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة ، فيقولون : لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك . فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى يا رب ، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ؟ فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ فيقولون : يا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا » . وروى البزار في مسنده عن جابر بن عبد اللَّه قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « إذا دخل أهل الجنة الجنة ، قال اللَّه - تعالى - : هل تشتهون شيئا فأزيدكم ؟ قالوا : يا ربنا وما خير مما أعطيتنا ؟ قال : رضواني أكبر » « 1 » . وقوله : * ( ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) * أي : ذلك الذي وعد اللَّه به المؤمنين والمؤمنات في جنات ومساكن طيبة ، ومن رضا من اللَّه عنهم ، هو الفوز العظيم الذي لا يقاربه فوز ، ولا يدانيه
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 270 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 350 | سيد محمد طنطاوي