تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
نعيم ، ولا يسامى شرفه شرف . . وبهذا نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد بشرتا المؤمنين والمؤمنات بأعظم البشارات ، ووصفتهم بأشرف الصفات ، وقابلت بين جزائهم وبين جزاء الكفار والمنافقين ، بما يحمل العاقل على أن يسلك طريق المؤمنين ، وعلى أن ينهج نهجهم ، ويتحلى بأوصافهم . . . وبذلك يفوز بنعيم اللَّه ورضاه كما فازوا ، ويسعد كما سعدوا ، وينجو من العذاب الذي توعد اللَّه به المنافقين والكافرين ، بسبب إصرارهم على الكفر والنفاق ، وإيثارهم الغىّ على الرشد . ثم أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلى اللَّه عليه وسلم بمجاهدة الكفار والمنافقين بكل وسيلة ، لأنهم جميعا لا يريدون الانتهاء عن المكر السيئ بالدعوة الإسلامية فقال - تعالى - : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 73 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ والْمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 73 ) وقوله - سبحانه - * ( جاهِدِ ) * من المجاهدة ، بمعنى بذل الجهد في دفع ما لا يرضى ، سواء أكان ذلك بالقتال أم بغيره . وقوله : * ( واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) * من الغلظة التي هي نقيض الرقة والرأفة . يقال أغلظ فلان في الأمر إذا اشتد فيه ولم يترفق . ونحن عندما نقرأ السيرة النبوية ، نجد أنه صلى اللَّه عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة ، ظل فترة طويلة يلاين المنافقين ، ويغض الطرف عن رذائلهم . ويصفح عن مسيئهم . . إلا أن هذه المعاملة الحسنة لهم زادتهم رجسا إلى رجسهم . . لذا جاءت هذه السورة - وهي من أواخر ما نزل من القرآن لتقول للنبي صلى اللَّه عليه وسلم لقد آن الأوان لإحلال الشدة والحزم ، محل اللين والرفق ، فإن للشدة مواضعها وللين مواضعه . . والمعنى : عليك - أيها النبي الكريم - أن تجاهد الكفار بالسيف إذا كان لا يصلحهم سواه ، وأن تجاهد المنافقين - الذين يظهرون الإسلام ويخفون الكفر - بما تراه مناسبا لردهم وزجرهم وإرهابهم ، سواء أكان ذلك باليد أم باللسان أم بغيرهما ، حتى تأمن شرهم . قال الإمام ابن كثير ، أمر اللَّه رسوله صلى اللَّه عليه وسلم بجهاد الكفار والمنافقين ، كما أمره أن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين . . وقد تقدم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال : بعث رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بأربعة أسياف . سيف للمشركين فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ . . . وسيف للكفار أهل الكتاب قاتِلُوا الَّذِينَ
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 351 | سيد محمد طنطاوي