أنفسهم يظلمون « بسبب كفرهم وجحودهم ، واستحبابهم العمى على الهدى ، وإيثارهم الغي على الرشد .
هذا ، ومن هاتين الآيتين الكريمتين نرى بوضوح ، أن الغرور بالقوة ، والافتتان بالأموال والأولاد ، والانغماس في الشهوات والملذات الخسيسة . والخوض في طريق الباطل ، وعدم الاعتبار بما حل بالطغاة والعصاة . .
كل ذلك يؤدى إلى الخسران في الدنيا والآخرة ، وإلى التعرض لسخط اللَّه وعقابه .
كما نرى منهما أن من سنة اللَّه في خلقه ، أنه - سبحانه - لا يعاقب إلا بذنب ، ولا يأخذ العصاة والطغاة أخذ عزيز مقتدر ، إلا بعد استمرارهم في طريق الغواية ، وإعراضهم عن نصح الناصحين ، وإرشاد المرشدين . وصدق اللَّه إذ يقول : إِنَّ اللَّه لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً ، ولكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ .
وبعد أن تحدثت السورة الكريمة عن أحوال المنافقين ، وصفاتهم ، وسوء عاقبتهم . .
أتبعت ذلك بالحديث عن المؤمنين الصادقين ، وعما أعده اللَّه لهم من نعيم مقيم ، فقال - سبحانه - :
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 71 إلى 72 ]
والْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللَّه ورَسُولَه أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّه إِنَّ اللَّه عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 71 ) وَعَدَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّه أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 72 )
قال الإمام ابن كثير : لما ذكر - سبحانه - صفات المنافقين الذميمة ، عطف بذكر صفات المؤمنين المحمودة فقال : * ( والْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) * .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 348
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٣٤٨