تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
يؤمنوا يعذبهم اللَّه بالهلاك ، واللَّه - تعالى - لا يريد أن يهلك هذه الأمة التي بعث فيها خاتم رسله نبي الرحمة صلى اللَّه عليه وسلم بسبب إجابة مقترحات أولئك المعاندين المستكبرين . وأما الرد الثاني فقال فيه : * ( ولَوْ جَعَلْناه مَلَكاً لَجَعَلْناه رَجُلًا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ) * . أي : لو جعلنا الرسول من الملائكة - كما اقترحوا - لكانت الحكمة تقتضي أن نجعله في صورة بشر ليتمكنوا من رؤيته ومن سماع كلامه الذي يبلغه عن اللَّه - تعالى - وفي هذه الحالة سيقولون لهذا الملك المرسل إليهم في صورة بشر - : لست ملكا ، لأنهم لا يدركون منه إلا صورته وصفاته البشرية التي تمثل بها ، وحينئذ يقعون في نفس اللبس والاشتباه الذي يلبسونه على أنفسهم باستنكار جعل الرسول بشرا . ومعنى * ( ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ) * لخلطنا عليهم مثل ما يخلطون على أنفسهم بسبب استبعادهم أن يكون الرسول بشرا مثلهم . قال الإمام القرطبي : قوله تعالى * ( ولَوْ جَعَلْناه مَلَكاً لَجَعَلْناه رَجُلًا ) * لأن كل جنس يأنس بجنسه وينفر من غير جنسه ، فلو جعل اللَّه تعالى - الرسول إلى البشر ملكا لنفروا من مقاربته ولما أنسوا به ، ولداخلهم من الرعب من كلامه والاتقاء له ، ما يكفهم عن كلامه ويمنعهم عن سؤاله فلا تعم المصلحة ، ولو نقله عن صورة الملائكة إلى مثل صورتهم ليأنسوا به وليسكنوا إليه لقالوا : لست ملكا وإنما أنت بشر فلا نؤمن بك ، وعادوا إلى مثل حالهم « « 1 » . وبهذين الجوابين الحكيمين يكون القرآن الكريم قد دحض شبهات أولئك الجاحدين ، وبين أن الحكمة تقتضي أن يكون الرسول من جنس المرسل إليهم ، قال تعالى : - وما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى . ثم أخذ القرآن في تسلية النبي صلى اللَّه عليه وسلم عما أصابه من قومه فقال : * ( ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِه يَسْتَهْزِؤُنَ ) * . والمعنى : لا تحزن يا محمد لما أصابك من قومك ، فإن من شأن الدعاة إلى الحق المجاهدين في سبيله أن ينالهم الأذى من أعدائهم ، ولقد أوذى من سبقك من الرسل الكرام ، وسخر الساخرون منهم ، فصبروا على ذلك ، وجاءهم في النهاية نصرنا الذي وعدناهم به . أما أعداؤهم الذين استهزؤا بهم ، فقد أخذناهم أخذ عزيز مقتدر فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِه ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْه حاصِباً ، ومِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْه الصَّيْحَةُ ، ومِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِه الأَرْضَ ، ومِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا ، وما كانَ اللَّه لِيَظْلِمَهُمْ ولكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 394 . ( 2 ) سورة العنكبوت الآية : 40 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 43 | سيد محمد طنطاوي