تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
وقد أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلى اللَّه عليه وسلم أن يطلب منهم السير في الأرض للتفكر والتدبر ، لأنهم كانوا يستهزئون به صلى اللَّه عليه وسلم فكانت المخاطبة منه لهم من قبيل النصيحة والتحذير . وليس المراد مجرد النظر في قوله * ( ثُمَّ انْظُرُوا ) * ، بل المراد منه التفكر والتدبر والاعتبار الذي يهدى إلى الإيمان ، ويعين على اتباع الصراط المستقيم . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أي فرق بين قوله فَانْظُروا وبين قوله * ( ثُمَّ انْظُرُوا ) * ؟ قلت : جعل النظر مسببا عن السير في قوله فَانْظُروا فكأنه قيل : سيروا لأجل النظر ، ولا تسيروا سير الغافلين . وأما قوله * ( سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا ) * فمعناه إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع وإيجاب النظر في آثار الهالكين ، ونبه على ذلك بثم لتباعد ما بين الواجب والمباح « 1 » . وقد علق الشيخ ابن المنير على عبارة صاحب الكشاف فقال : « وأظهر من هذا التأويل أن يجعل الأمر بالسير في المكانين واحدا ، ليكون ذلك سببا في النظر ، فحيث دخلت الفاء فلإظهار السببية ، وحيث دخلت ثم فللتنبيه على أن النظر هو المقصود من السير وأن السير وسيلة إليه لا غير وشتان بين المقصود والوسيلة » . والذي نرجحه أن التعبير بثم هنا المفيدة للتراخي للإشارة إلى أن السير الذي هو وسيلة للتفكر مطلوب في ذاته كما أن النظر الذي يصحبه التفكر والاعتبار مطلوب أيضا ، وكأنه أمر بدهى نتيجة للسير ، أما التعبير بالفاء في قوله « فانظروا » فلإبراز كون النظر مسببا عن السير ، ومترتبا عليه ، وكلا الأسلوبين مناسب للمقام الذي سيق من أجله ، ومتناسق مع البلاغة القرآنية . ثم ساق القرآن الكريم ألوانا من البراهين الدالة على وحدانية اللَّه وقدرته وعلى أنه هو المهيمن على هذا الكون ، فقال - تعالى - : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 12 إلى 16 ] قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ والأَرْضِ قُلْ لِلَّه كَتَبَ عَلى نَفْسِه الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيه الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 12 ) ولَه ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ والنَّهارِ وهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 13 ) قُلْ أَغَيْرَ اللَّه أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأَرْضِ وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 14 ) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 15 ) مَنْ يُصْرَفْ عَنْه يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَه وذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ( 16 )
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 8 .