تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
فالآية الكريمة تهدف إلى تسلية الرسول صلى اللَّه عليه وسلم والترويح عن نفسه ، وتبشيره بحسن العاقبة وتثبيت قلبه حتى لا يتأثر أو يضعف أمام سفه المشركين وتطاولهم عليه . والاستهزاء بالشيء : الاستهانة به ، والاستهزاء بالشخص احتقاره وعدم الاهتمام بأمره . وتنكير الرسل للتكثير والتعظيم ، والفاء في قوله * ( فَحاقَ ) * للسببية ، أي : بسبب هذا الاستهزاء برسل اللَّه الكرام ، أحاط العذاب بأولئك المستهزئين فأهلكهم . وقال - سبحانه - * ( فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا ) * ولم يقل بالساخرين ، للإشارة إلى أن ما أصابهم من عذاب لم يكن تجنبا عليهم ، وإنما كان بسبب سخريتهم برسل اللَّه والاستخفاف بهم لأن التعبير بالموصول يفيد أن الصلة هي علة الحكم . وفي قوله - تعالى - : * ( فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِه يَسْتَهْزِؤُنَ ) * مجاز علاقته السببية ، لأن الذي حاق بهم هو العذاب المسبب عن الاستهزاء ، ففيه إطلاق السبب وإرادة المسبب ، وذلك يفيد أن العذاب ملازم لهذه السخرية لا ينفك عنها ، فحيثما وجد التطاول على أولياء اللَّه والدعاة إلى دينه ، وجد معه عذاب اللَّه وسخطه على المتطاولين والمستهزئين . ثم أمر القرآن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أن يذكرهم بحال من سبقوهم عن طريق التطلع إلى آثارهم ، والتدبر فيما أصابهم . والاتعاظ بما حل بهم فقال - تعالى - : * ( قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) * . أي : قل - يا محمد - لأولئك المكذبين لك ، المستهزئين بدعوتك ، لا تغتروا بما أنتم فيه من قوة وجاه ، فإن ذلك لا دوام له ، وسيروا في فجاج الأرض متدبرين متأملين ، فسترون بأعينكم آثار أقوام كانوا أشد منكم قوة وأكثر جمعا ، ولكن ذلك لم يمنع وقوع العذاب بهم حين بدلوا نعمة اللَّه كفرا ، وحاربوا رسل اللَّه والدعاة إلى دينه . وقد ذكر القرآن الكريم في سور متعددة أن آثار أولئك الأقوام المهلكين ، ما زال بعضها باقيا ، وإنها لتدعو العقلاء إلى الاتعاظ والاعتبار فقال - تعالى - : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّه عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وحَصِيدٌ « 1 » . وقال - تعالى - في شأن قوم لوط : وإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ ، أَفَلا تَعْقِلُونَ « 2 » .
هامش
( 1 ) سورة هود الآية : 100 . ( 2 ) سورة الصافات الآيتان 137 ، 138 .