تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
هو التفتح للحق ، والانقياد للهداية ، فإننا لو نزلنا عليك كتابا من السماء في قرطاس - كما اقترحوا - فشاهدوه بأعينهم وهو نازل عليك ولمسوه بأيديهم منذ وصوله إلى الأرض وباشروه بعد ذلك بجميع حواسهم بحيث يرتفع عنهم كل ارتياب ، ويزول كل إشكال . لو أننا فعلنا ذلك . استجابة لمقترحاتهم المتعنتة ، لقالوا بلغة العناد والجحود ما هذا الذي أبصرناه ولمسناه إلا سحر مبين . فالآية الكريمة تصور مكابرتهم المتبجحة ، وعنادهم الصفيق ، وإدبارهم عن الحق مهما تكن قوة أدلته ، ونصاعة حجته . قال الإمام الرازي « بين اللَّه - تعالى - في هذه الآية أن هؤلاء الكفار لو أنهم شاهدوا نزول كتاب من السماء دفعة واحدة عليك يا محمد لم يؤمنوا به بل حملوه على أنه سحر . والمراد من قوله * ( فِي قِرْطاسٍ ) * أنه لو نزل الكتاب جملة واحدة في صحيفة واحدة فرأوه ولمسوه وشاهدوه عيانا لطعنوا فيه وقالوا إنه سحر » » . و * ( لَوْ ) * في الآية الكريمة حرف امتناع ، أي : أنه - سبحانه - قد امتنع عن إجابة مقترحاتهم لأنه يعلم أن إجابتها لا ثمرة لها ، ولا فائدة من ورائها ، لأن هؤلاء الجاحدين لا ينقصهم الدليل على صدق النبي صلى اللَّه عليه وسلم في دعوته ، وإنما الذي ينقصهم هو الاستجابة للحق والاتجاه السليم لطلبه ، والاستماع إليه بعناية وتفكير . وعبر - سبحانه - بقوله : * ( فَلَمَسُوه بِأَيْدِيهِمْ ) * . مع أن اللمس هو باليد غالبا - للتأكيد وزيادة التعيين ، ودفع احتمال المجاز . فالجملة الكريمة المقصود بها تصوير فرط جحودهم ومكابرتهم ، وإعراضهم عن الحق مهما تكن قوة الدليل وحسيته . وفي قوله - تعالى - * ( لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) * إشارة إلى أن الكافرين وحدهم هم الذين بسبب كفرهم - ينتحلون الأعذار لضلالهم ، ويصفون الحق الواضح بأنه سحر مبين . أما المؤمنون فإنهم يقابلون الحق بالتصديق والإذعان . وقد حكى القرآن عنهم أنهم قالوا : * ( إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) * ، فأكدوا حكمهم الباطل بطريق النفي والإثبات - أي : أنه مقصور على أنه سحر - وبالإشارة إليه ، وبأنه بين واضح في كونه سحرا ، وذلك يدل على أن تبجحهم قد بلغ النهاية ، وأن مكابرتهم قد كذبت ما شهدت بصدقه حواسهم ، وإن قوما بهذه الدرجة من العناد لا تجدى فيهم معجزة ، ولا ينفع معهم دليل . وفي معنى هذه الآية قد وردت آيات أخرى في القرآن الكريم منها قوله - تعالى -
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 12 .