سراء وضراء تحمل كل عاقل على التفكير والاعتبار .
استمع إلى القرآن وهو يصور موقفهم فيقول : * ( وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ والسَّرَّاءُ ) * .
أي : أنهم حينما رأوا ألوان الخيرات بين أيديهم بعد أن كانوا في بأساء وضراء ، لم يعتبروا ولم يشكروا اللَّه على نعمه ، بل قالوا بغباء وجهل . قد مس آباءنا من قبلنا ما يسوء وما يسر ، وتناوبهم ما ينفع وما يضر ، ونحن مثلهم يصيبنا ما أصابهم ، وقد أخذنا دورنا من الضراء كما أخذوا ، وجاء دورنا في السراء فلنغنمها في إرواء شهواتنا . وإشباع متعنا ، فتلك عادة الزمان في أبنائه ولا داعي لأن ننظر إلى السراء والضراء على أنهما نوع من الابتلاء والاختبار .
وهذا شأن الغافلين الجاهلين في كل زمان ومكان ، إنهم لا يعتبرون بأي لون من ألوان العبر ، ولا يستشعرون في أنفسهم تحرجا من شيء يعملونه .
وإن قولهم هذا ليوحى بحالة نفسية خاصة « حالة عدم المبالاة والاستهتار » وهي حالة أكثر ما تكون مشاهدة في أهل الرخاء والجاه . فهم يسرفون ويبذرون بدون تحرج ، ويرتكبون كل كبيرة تقشعر لها الأبدان بدون اكتراث ، وتغشاهم العبر من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ، ومع كل ذلك لا يعتبرون ولا يتعظون .
هذا شأنهم ، أما المؤمنون فإنهم ليسوا كذلك ، وإنما هم كما وصفهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في قوله :
« عجبا لأمر المؤمن : إن أمره كله خير ، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن . إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له . وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له » .
ولم يترك القدر أولئك الغافلين بدون قصاص ، وإنما فاجأهم بالعقوبة التي تناسبهم ، قال - تعالى - : * ( فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) * أي : فكان عاقبة بطرهم وأشرهم وغفلتهم أن أخذناهم بالعذاب فجأة ، من غير شعور منهم بذلك ، ولا خطور شيء من المكاره ببالهم ، لأنهم كانوا - لغبائهم - يظنون أنهم سيعيشون حياتهم في نعم الحياة ورغدها بدون محاسبة لهم على أعمالهم القبيحة ، وأقوالهم الذميمة .
فالجملة الكريمة تشير إلى أن أخذهم بالعقوبة كان أليما شديدا ، لأنهم فوجئوا بها مفاجأة بدون مقدمات . وجملة * ( وهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) * حال من المفعول به في * ( فَأَخَذْناهُمْ ) * مؤكدة لمعنى البغتة .
ثم بين - سبحانه - أن سنته قد جرت بفتح أبواب خيراته للمحسنين ، وبإنزال نقمه على المكذبين الضالين فقال : * ( ولَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأَرْضِ ) * .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 334
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٣٣٤