تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
وقوله : * ( أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّه ) * تكرير لمجموع الإنكارين السابقين ، جمعا بين التفريق قصدا إلى زيادة التحذير والإنذار . والمكر في الأصل الخداع ، ويطلق على الستر يقال : مكر الليل أي : ستر بظلمته ما هو فيه ، وإذا نسب إليه - سبحانه - فالمراد به استدراجه للعبد العاصي حتى يهلكه في غفلته تشبيها لذلك بالخداع . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فلم رجع فعطف بالفاء قوله : * ( أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّه ) * ؟ قلت : هو تكرير لقوله : * ( أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى ) * ومكر اللَّه : استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر ولاستدراجه ، فعلى العاقل أن يكون في خوفه من مكر اللَّه كالمحارب الذي يخاف من عدوه الكمين والبيات والغيلة . وعن الربيع بن خثعم أن ابنته قالت له : مالي أراك لا تنام والناس ينامون ؟ فقال : يا بنتاه إن أباك يخاف البيات . أراد قوله : * ( أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً ) * « 1 » . والمعنى : أفأمنوا مكر اللَّه وتدبيره الخفي الذي لا يعلمه البشر فغفلوا عن قدرتنا على إنزال العذاب بهم بياتا أو ضحوة ؟ لئن كانوا كذلك فهم بلا ريب عن الصراط لناكبون ، وعن سنن اللَّه في خلقه غافلون ، فإنه * ( فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّه إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ) * أي : إلا القوم الذين خسروا أنفسهم وعقولهم ، ولم يستفيدوا شيئا من أنواع العبر والعظات التي بثها اللَّه في أنحاء هذا الكون . هذا ، ويرى الإمام الشافعي وأتباعه أن الأمن من مكر اللَّه كبيرة من الكبائر ، لأنه استرسال في المعاصي اتكالا على عفو اللَّه . وقال الحنفية إن الأمن من مكر اللَّه كفر كاليأس ، لقوله - تعالى - : إِنَّه لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّه إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ وقوله : * ( فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّه إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ) * . ثم بين - سبحانه - أن من الواجب على الأحياء الذين يرثون الأرض من أهلها الذاهبين المهلكين ، الذين أهلكتهم ذنوبهم ، وجنت عليهم غفلتهم ، وعوقبوا على استهتارهم وغرورهم من الواجب على هؤلاء الأحياء أن يعتبروا ويتعظوا ويحسنوا القول والعمل حتى ينجوا من العقوبات . قال - تعالى - : * ( أَولَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ) * .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 124 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 337 | سيد محمد طنطاوي