تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
البركات : جمع بركة : وهي ثبوت الخير الإلهى في الشيء ، وسمى بذلك لثبوت الخير فيه كما يثبت الماء في البركة . قال الراغب : ولما كان الخير الإلهى يصدر من حيث لا يحس ، وعلى وجه لا يحصى ولا يحصر ، قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة هو مبارك وفيه بركة « « 1 » . والمعنى : ولو أن أهل تلك القرى المهلكة آمنوا بما جاء به الرسل . واتقوا ما حرمه اللَّه عليهم ، لآتيناهم بالخير من كل وجه . ولوسعنا عليه الرزق سعة عظيمة ، ولعاشوا حياتهم عيشة رغدة لا يشوبها كدر ، ولا يخالطها خوف . وفي قوله : * ( لَفَتَحْنا ) * استعارة تبعيه ، لأنه شبه تيسير البركات وتوسعتها عليهم بفتح الأبواب في سهولة التناول . وقيل : المراد بالبركات السماوية المطر ، وبالبركات الأرضية النبات والثمار وجميع ما فيها من خيرات . وقوله : * ( ولكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) * بيان لموقفهم الجحودى . أي : ولكنهم لم يؤمنوا ولم يتقوا بل كذبوا الرسل الذين جاؤوا لهدايتهم فكانت نتيجة تكذيبهم وتماديهم في الضلال أن عاقبناهم بالعقوبة التي تناسب جرمهم واكتسابهم للمعاصي ، فتلك هي سنتنا التي لا تتخلف ، نفتح للمؤمنين المتقين أبواب الخيرات ، وننتقم من المكذبين الضالين بفنون العقوبات . وقد يقال : إننا ننظر فنرى كثيرا من الكافرين والعصاة مفتوحا عليهم في الرزق والقوة والنفوذ وألوان الخير ، وترى كثيرا من المؤمنين مضيقا عليهم في الرزق وفي غيره من وجوه النعم ، فأين هذا من سنة اللَّه التي حكتها الآية الكريمة ؟ والجواب على ذلك أن الكافرين والعصاة قد يبسط لهم في الأرزاق وفي ألوان الخيرات بسطا كبيرا ، ولكن هذا على سبيل الاستدراج كما في قوله - تعالى - : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِه فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ . ومما لا شك فيه أن الابتلاء بالنعمة الذي مر ذكره في الآية السابقة * ( ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا ) * لا يقل خطرا عن الابتلاء بالشدة . فقد ابتلى اللَّه كثيرا من الناس بألوان النعم فأشروا وبطروا ولم يشكروه عليها فأخذهم اللَّه أخذ عزيز مقتدر .
هامش
( 1 ) المفردات في غريب القرآن ص 44 للراغب الأصفهاني .