وشتان بين نعم تساق لإنسان على سبيل الاستدراج في الشرور والآثام فتكون نقمة على صاحبها لأنه يعاقب عقابا شديدا بسبب سوء استعمالها ، وبين النعم التي وعد بها من يؤمنون ويتقون . إنها نعم مصونة عن المحق والسلب والخوف ، لأن أصحابها شكروا اللَّه عليها .
واستعملوها فيما خلقت له ، فكانت النتيجة أن زادهم اللَّه غنى على غناهم ، وأن منحهم الأمان والاطمئنان وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء .
ثم يتجه القرآن إلى الغافلين ، ليوقظ فيهم مشاعر الخوف من بأس اللَّه وعقابه فيقول :
* ( أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وهُمْ نائِمُونَ ) * .
البيات : قصد العدو ليلا . يقال : بيت القوم بياتا ، إذا أوقعوا به ليلا ، وهو حال بمعنى بائتين .
والاستفهام للإنكار والتعجيب من أمر ليس من شأنه أن يقع من العاقل ، والمراد بأهل القرى : أهل مكة وغيرهم من القرى التي بعث إليها الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم .
وقيل المراد بهم الأمة المحمدية من عصر النور الأعظم إلى يوم القيامة لتعتبر بما أنزل بغيرها كما يرشد إليه قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( أَولَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها ) * .
وقيل المراد بهم من ذكر حالهم فيما تقدم من القرى المهلكة بسبب ذنوبها .
قال الجمل : والفاء للعطف على * ( فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً ) * وما بينهما وهو قوله : * ( ولَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى ) * إلى هنا اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه جيء به للمسارعة إلى بيان أن الأخذ المذكور إنما هو بما كسبت أيديهم . والمعنى : أبعد ذلك الأخذ أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون « 1 » ؟
فالآية الكريمة تحذر الناس من الغفلة عن طاعة اللَّه ، وتحثهم على التيقظ والاعتبار : وقوله :
* ( أَوأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى ) * إنكار بعد إنكار للمبالغة في التوبيخ والتشديد * ( أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وهُمْ يَلْعَبُونَ ) * أي : أن يأتيهم عقابنا في ضحوة النهار وانبساط الشمس ، وهم لاهون لاعبون من فرط الغفلة .
فقد خوفهم - سبحانه - بنزول العذاب بهم في الوقت الذي يكونون فيه في غاية الغفلة وهو حال النوم بالليل ، وحال الضحى بالنهار لأنه الوقت الذي يغلب على المرء التشاغل فيه باللذات .
هامش
( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 168 .