تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
والاستثناء في قوله : * ( إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها ) * مفرغ من أعم الأحوال ، و * ( أَخَذْنا ) * في موضع نصب على الحال من فاعل * ( أَرْسَلْنا ) * أي : وما أرسلنا - في قرية من القرى المهلكة بسبب ذنوبها - نبيا من الأنبياء في حال من الأحوال إلا حال كوننا آخذين أهلها بالبأساء والضراء . قبل إنزال العقوبة المستأصلة لهم . وجملة * ( لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ) * تعليلية . أي : فعلنا ما فعلنا لكي يتضرعوا ويتذللوا ويتوبوا من ذنوبهم . فما يأخذ اللَّه به الغافلين من الشدائد والمحن ليس من أجل التسلية والتشفي - تعالى اللَّه عن ذلك - وإنما من أجل أن ترق القلوب الجامدة ، وتتعظ المشاعر الخامدة ، ويتجه البشر الضعاف إلى خالقهم ، يتضرعون إليه ويستغفرونه ، عما فرط منهم من خطايا . ثم بين - سبحانه - لونا آخر من ألوان ابتلائه للناس فقال : * ( ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ ) * المراد بالسيئة ما يسوء ويحزن كالشدائد والأمراض . وبالحسنة السعة والصحة وأنواع الخيرات . أي : ثم بعد أن ابتلينا هؤلاء الغافلين بالبأساء والضراء رفعنا ذلك عنهم ، وابتليناهم بضده ، بأن أعطيناهم بدل المصائب نعما ، فإذا الرخاء ينزل بهم مكان الشدة ، واليسر مكان الحرج ، والعافية بدل الضر ، والذرية بدل العقم . والكثرة بدل القلة ، والأمن محل الخوف . قال الآلوسي : وقوله : * ( ثُمَّ بَدَّلْنا ) * معطوف على * ( أَخَذْنا ) * داخل في حكمه ، وهو - أي بدلنا - متضمن معنى أعطى الناصب لمفعولين وهما هنا الضمير المحذوف والحسنة أي : أعطيناهم الحسنة في مكان السيئة ومعنى كونها في مكانها أنها بدل منها . ويرى بعض العلماء أن لفظ * ( مَكانَ ) * مفعول به لبدلنا وليس ظرفا ، والمعنى بدلنا مكان الحال السيئة الحال الحسنة ، فالحسنة هي المأخوذة الحاصلة في مكان السيئة المتروكة « 1 » . وقوله : * ( حَتَّى عَفَوْا ) * أي : كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم . يقال : عفا النبات ، وعفا الشحم إذا كثر وتكاثف . وأعفيته . أي : تركته يعفو ويكثر ، ومنه قوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « واعفوا اللحى » أي : وفروها وكثروها . فماذا كان موقفهم من ابتلاء اللَّه إياهم بالشدائد تارة وبالنعم أخرى ؟ لقد كان موقفهم يدل على فساد فطرتهم ، وانحطاط نفوسهم ، وعدم اتعاظهم بما تجرى به الأقدار ، وبما بين أيديهم من
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 8 ص 9 .