والاستفهام في قوله * ( وكَيْفَ تَأْخُذُونَه . . . ) * للتعجب من حال من يأخذ شيئا مما أعطاه لزوجته بعد إنكار ذات الأخذ .
والمراد بالميثاق الغليظ في قوله « وأخذن منكم ميثاقا غليظا » هو ما أخذه اللَّه للنساء على الرجال من حسن المعاشرة أو المفارقة بإحسان كما في قوله - تعالى - : فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ . وليس أخذ شيء مما أعطاه الرجال للنساء من التسريح بإحسان ، بل يكون من التسريح الذي صاحبه الظلم والإساءة .
والمراد بالميثاق الغليظ الذي أخذ : كلمة النكاح المعقودة على الصداق ، والتي بها تستحل فروج النساء ، ففي صحيح مسلم عن جابر أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال في خطبة حجة الوداع :
« استوصوا بالنساء خيرا فإنكم أخذتموهن بأمانة اللَّه ، واستحللتم فروجهن بكلمة اللَّه » « 1 » .
والمعنى : بأي وجه من الوجوه تستحلون يا معشر الرجال ان تأخذوا شيئا من الصداق الذي أعطيتموه لنسائكم عند مفارقتهن والحال أنكم قد اختلط بعضكم ببعض ، وصار كل واحد منكم لباسا لصاحبه ، وأخذن منكم عهدا وثيقا مؤكدا مزيد تأكيد لا يحل لكم أن تنقضوه أو تخالفوه ! ! ؟
فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد منع الرجال من أخذ شيء من الصداق الذي أعطوه لنسائهم لسببين :
أحدهما : الإفضاء وخلوص كل زوج لنفس صاحبه حتى صارا كأنهما نفس واحدة .
وثانيهما : الميثاق الغليظ الذي أخذ على الرجال بأن يعاملوا النساء معاملة كريمة .
والضمير في قوله * ( وأَخَذْنَ ) * للنساء . والآخذ في الحقيقة إنما هو اللَّه - تعالى - إلا أنه سبحانه - نسبه إليهن للمبالغة في المحافظة على حقوقهن ، حتى جعلهن كأنهن الآخذات له .
قال بعضهم : وهذا الإسناد مجاز عقلي ، لأن الآخذ للعهد هو اللَّه . أي : وقد أخذ اللَّه عليكم العهد لأجلهن وبسببهن . فهو مجاز عقلي من الإسناد إلى السبب » « 2 » .
ووصف - سبحانه - الميثاق بالغلظة لقوته وشدته . فقد قالوا : صحبة عشرين يوما قرابة .
فكيف بما جرى بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج ؟ ! هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآيات الكريمة ما يأتي :
1 - تكريم الإسلام للمرأة ، فقد كانت في الجاهلية مهضومة الحق ، يعتدى عليها بأنواع من
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 467 .
( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 369 .