تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
قال القرطبي : روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « لا يفرك مؤمن مؤمنة ، إن كره منها خلقا رضى منها آخر » أي : لا يبغضها بغضا كليا يحمله على فراقها . أي لا ينبغي له ذلك ، بل يغفر سيئتها لحسنتها ، ويتغاضى عما يكره لما يحب . - والفرك البغض الكلى الذي تنسى معه كل المحاسن - . وقال مكحول : سمعت ابن عمر رضى اللَّه عنهما - يقول : إن الرجل ليستخير اللَّه - تعالى - فيخار له ، فيسخط على ربه - عز وجل - فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له » « 1 » . وبعد أن بين - سبحانه - أنه يجوز للرجل أن يأخذ من المرأة بعض ما أعطاها من صداق إذا أتت بفاحشة مبينة . . عقب ذلك ببيان الحكم فيما إذا كان الفراق من جانب الزوج دون أن تكون المرأة قد أتت بفاحشة فقال - تعالى - * ( وإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْه شَيْئاً ) * والاستبدال : طلب البدل ، بأن يطلق الرجل امرأة ويتزوج بأخرى . والقنطار : أصله من قنطرت الشيء إذا رفعته . ومنه القنطرة ، لأنها بناء مرتفع مشيد . والمراد به هنا المال الكثير الذي هو أقصى ما يتصور من مهر يدفعه الرجل للمرأة . والمعنى : وإن أردتم أيها الأزواج * ( اسْتِبْدالَ زَوْجٍ ) * أي تزوج امرأة ترغبون فيها « مكان زوج » أي مكان امرأة لا ترغبون فيها ، بل ترغبون في طلاقها * ( وآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً ) * أي أعطى أحدكم إحدى الزوجات التي تريدون طلاقها مالا كثيرا على سبيل الصداق لها * ( فَلا تَأْخُذُوا مِنْه شَيْئاً ) * أي فلا نأخذوا من المال الكثير الذي أعطيتموه لهن شيئا أيا كان هذا الشيء ، لأن فراقهن كان بسبب من جانبكم لا من جانبهن . وعبر - سبحانه - ب * ( إِنْ ) * التي تفيد الشك في وقوع الفعل للتنبيه على أن الإرادة قد تكون غير سليمة ، وغير مبنية على أسباب قوية ، فعلى الزوج أن يتريث ويتثبت ويحسن التدبر في عواقب الأمور . والمراد بالزوج في قوله * ( اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ ) * الجنس الذي يصدق على جميع الأزواج . والمراد من الإيتاء في قوله * ( وآتَيْتُمْ ) * الالتزام والضمان . أي : التزمتم وضمنتم أن تؤتوا إحداهن هذا المال الكثير .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 98 .