وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام . يؤانسهن بذلك صلى اللَّه عليه وسلم .
وقد قال - تعالى - لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ « 1 » .
هذا ، وللإمام الغزالي كلام حسن في كتابه الإحياء عند حديثه عن آداب معاشرة النساء ، فقد قال ما ملخصه : ومن آداب المعاشرة حسن الخلق معهن ، واحتمال الأذى منهن ، ترحما عليهن ، لقصور عقلهن . قال - تعالى - : * ( وعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) * . وقال في تعظيم حقهن :
* ( وأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ) * .
ثم قال : واعلم أنه ليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها ، بل احتمال الأذى منها ، والحلم عن طيشها وغضبها ، اقتداء برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم . فقد كانت أزواجه تراجعنه الكلام . ومن آداب المعاشرة - أيضا - أن يزيد على احتمال الأذى منها بالمداعبة والمزح والملاعبة ، فهي التي تطيب قلوب النساء . وقد كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يمزح معهن وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال .
وقال عمر - رضى اللَّه عنه - ينبغي للرجل أن يكون في أهله مثل الصبى . فإذا التمسوا ما عنده وجدوه رجلا .
وكان ابن عباس - رضى اللَّه عنه - يقول : « إني - لأتزين لامرأتى كما تتزين لي » « 2 » .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان أنه لا يصح للرجال أن يسترسلوا في كراهية النساء إن عرضت لهم أسباب الكراهية ، بل عليهم أن يغلبوا النظر إلى المحاسن ، ويتغاضوا عن المكاره فقال - تعالى - : * ( فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً ويَجْعَلَ اللَّه فِيه خَيْراً كَثِيراً ) * .
أي : فإن كرهتم صحبتهن وإمساكهن فلا تتعجلوا في مفارقتهن ، فإنه عسى أن تكرهوا شيئا ويجعل اللَّه لكم في الصبر عليه وعدم إنفاذه خيرا كثيرا في الدنيا والآخرة .
فالآية الكريمة ترشد إلى حكم عظيمة منها أن على العاقل أن ينظر إلى الحياة الزوجية من جميع نواحيها ، لا من ناحية واحدة منها وهي ناحية البغض والحب . . وأن ينظر في العلاقة التي بينه وبين زوجه بعين العقل والمصلحة المشتركة ، لا بعين الهوى . . وأن يحكم دينه وضميره قبل أن يحكم عاطفته ووجدانه . فربما كرهت النفس ما هو أصلح في الدين وأحمد وأدنى إلى الخير ، وأحبت ما هو بضد ذلك ، وربما يكون الشيء الذي كرهته اليوم ولكنها لم تسترسل في كراهيته سيجعل اللَّه فيه خيرا كثيرا في المستقبل . قال - تعالى - وعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وهُوَ شَرٌّ لَكُمْ واللَّه يَعْلَمُ وأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 466 .
( 2 ) من كتاب « إحياء علوم الدين » للغزالي ج 2 ص 39 .