الولي معلوما أنه ليس ممن آتاها شيئا . كان معلوما أن الذي عنى اللَّه - تعالى - بنهيه عن عضلها هو زوجها الذي له السبيل إلى عضلها ضرارا لتفتدى منه » « 1 » .
والاستثناء في قوله * ( إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) * متصل من أعم العلل والأسباب ، أي لا تعضلوهن لعلة من العلل أو لسبب من الأسباب إلا أن يأتين بفاحشة مبينة . لسوء أخلاقهن ، وكاشفة عن أحوالهن . كالزنا والنشوز ، وسوء الخلق ، وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء وفحش القول ونحوه ، فلكم العذر في هذه الأحوال في طلب الخلع منهن ، وأخذ ما آتيتموهن من المهر لوجود السبب من جهتهن لا من جهتكم .
والأصل في هذا الحكم قوله - تعالى - ولا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّه فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّه فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِه ، تِلْكَ حُدُودُ اللَّه فَلا تَعْتَدُوها .
ويرى بعضهم أن الاستثناء هنا منقطع فيكون المعنى : ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن لكن إن يأتين بفاحشة مبينة يحل لكم أخذ المهر الذي آتيتموهن إياه أو أخذ بعضه .
ثم أمر اللَّه - تعالى - الرجال - وخصوصا الأزواج - بحسن معاشرة النساء فقال :
* ( وعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) * .
والمعاشرة : مفاعلة من العشرة وهي المخالطة والمصاحبة .
أي : وصاحبوهن وعاملوهن بالمعروف ، أي بما حض عليه الشرع وارتضاه العقل من الأفعال الحميدة ، والأقوال الحسنة .
قال ابن كثير : قوله - تعالى - * ( وعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) * أي : طيبوا أقوالكم لهن ، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم . كما تحب ذلك منها ، فافعل أنت مثله . كما قال - تعالى - ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى » . وكان من أخلاقه صلى اللَّه عليه وسلم أنه جميل العشرة ، دائم البشر ، يداعب أهله ، ويتلطف بهم ، ويضاحك نساءه . حتى أنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين - رضى اللَّه عنها - يتودد إليها بذلك .
قالت : سابقني رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فسبقته . وذلك قبل أن أحمل اللحم . ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقني . فقال : هذه بتلك . وكان صلى اللَّه عليه وسلم يجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان ، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها . وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد . يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار .
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ج 4 . ص 309 - بتصرف وتلخيص .