وهناك روايات أخرى في سبب نزول هذه الآية ساقها ابن جرير وابن كثير وغيرهما ، وهي قريبة في معناها ، مما أورده القرطبي ، لذا اكتفينا بما ساقه القرطبي .
وكلمة * ( كَرْهاً ) * قرأها حمزة والكسائي بضم الكاف . وقرأها الباقون بفتحها قال الكسائي :
وهما لغتان بمعنى واحد . وقال الفراء : الكره - بفتح الكاف - بمعنى الإكراه . وبالضم بمعنى المشقة . فما أكره عليه الإنسان فهو كره - بالفتح - وما كان من جهة نفسه فهو كره - بالضم - .
والمعنى : يا أيها الذين آمنوا وصدقوا بالحق الذي جاءهم من عند اللَّه ، لا يحل لكم أن تأخذوا نساء موتاكم بطريق الإرث وهن كارهات لذلك أو مكروهات عليه ، لأن هذا الفعل من أفعال الجاهلية التي حرمها الإسلام لما فيها من ظلم للمرأة وإهانة لكرامتها .
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : « كانوا يبلون النساء بضروب من البلايا ، ويظلمونهن بأنواع من الظلم ، فزجروا عن ذلك . فقيل : * ( لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً ) * أي : أن تأخذوهن على سبيل الإرث كما تحاز المواريث وهن كارهات لذلك أو مكرهات » « 1 » .
وقد وجه - سبحانه - النداء إلى المؤمنين فقال : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) * ليعم الخطاب جميع الأمة ، فيأخذ كل مكلف فيها بحظه منه سواء أكان هذا المكلف من أولياء المرأة أم من الأزواج أم من الحكام أم من غيرهم .
وفي مخاطبتهم بصفة الإيمان تحريك لحرارة العقيدة في قلوبهم ، وتحريض لهم على الاستجابة إلى ما يقتضيه الإيمان من طاعة لشريعة اللَّه - تعالى - .
وصيغة * ( لا يَحِلُّ لَكُمْ ) * صيغة تحريم صريح لأن الحل هو الإباحة في لسان العرب ولسان الشريعة . فنفيه يرادف معنى التحريم .
وليس النهى في قوله : * ( لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً ) * منصبا على إرث أموالهن كما هو المعتاد ، وإنما النهى منصب على إرث المرأة ذاتها كما كانوا يفعلون في الجاهلية إذ كانوا يجعلون ذات المرأة كالمال فيرثونها من قريبهم كما يرثون ماله .
وقوله * ( كَرْهاً ) * مصدر منصوب على أنه حال من النساء . أي حال كونهن كارهات لذلك أو مكرهات عليه .
والتقييد بالكره لا يدل على الجواز عند عدمه ، لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفى ما عداه ، كما في قوله - تعالى - : ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 490 .