تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
والتوبة : هي الرجوع إلى اللَّه - تعالى - وإلى تعاليم دينه بعد التقصير فيها مع الندم على هذا التقصير والعزم على عدم العودة إليه . والمراد بها قبولها من العبد . فهي مصدر تاب عليه إذا قبل توبته . والمراد من الجهالة في قوله « يعملون السوء بجهالة » : الجهل والسفه بارتكاب ما لا يليق بالعاقل ، لا عدم العلم ، لأن من لا يعلم لا يحتاج إلى التوبة . قال مجاهد : كل من عصى اللَّه عمدا أو خطأ فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته . وقال قتادة : اجتمع أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وسلم فرأوا أن كل شيء عصى اللَّه به فهو جهالة عمدا كان أو غيره « . « 1 » قال - تعالى - حكاية عن يوسف - عليه السلام - : رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْه وإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ . وقال حكاية عن موسى - عليه السلام - أَعُوذُ بِاللَّه أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ . وقال - سبحانه - مخاطبا نوحا - عليه السلام - فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ . ووجه تسمية العاصي جاهلا - وإن عصى عن علم - أنه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما عصى ربه ، فلما لم يستعمل هذا العلم صار كأنه لا علم له ، فسمى العاصي جاهلا لذلك ، سواء ارتكب المعصية مع العلم بكونها معصية أم لا . والمعنى : إنما قبول التوبة كائن أو مستقر على اللَّه - تعالى - لعباده الذين يعملون السوء ، ويقعون في المعاصي بجهالة أي يعملون السوء جاهلين سفهاء ، لأن ارتكاب القبيح مما يدعو إليه السفه والشهوة ، لا مما تدعو إليه الحكمة والعقل . وصدر - سبحانه - الآية الكريمة بإنما الدالة على الحصر ، للإشعار بأن هؤلاء الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ، هم الذين يقبل اللَّه توبتهم ، ويقيل عثرتهم .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 463 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 85 | سيد محمد طنطاوي