وعبر - سبحانه - بلفظ على فقال : * ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّه ) * للدلالة على تحقق الثبوت ، حتى لكأن قبول التوبة من هؤلاء الذين * ( يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ) * من الواجبات عليه ، لأنه - سبحانه - قد وعد بقبول التوبة وإذا وعد بشيء أنجزه ، إذ الخلف ليس من صفاته - تعالى - بل هو محال في حقه - عز وجل - .
ولفظ * ( التَّوْبَةُ ) * مبتدأ . وقوله * ( لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ) * متعلق بمحذوف خبر . وقوله * ( عَلَى اللَّه ) * متعلق بمحذوف صفة للتوبة .
أي : إنما التوبة الكائنة على اللَّه للذين يعملون السوء بجهالة . . .
وقوله * ( بِجَهالَةٍ ) * متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل * ( يَعْمَلُونَ ) * أي : يعملون السوء جاهلين سفهاء . أو متعلق بقوله * ( يَعْمَلُونَ ) * فتكون الباء للسببية أي : يعملون السوء بسبب الجهالة .
وقوله * ( ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ) * أي ثم يتوبون في زمن قريب من وقت عمل السوء ، ولا يسترسلون في الشر استرسالا ويستمرئونه ويتعودون عليه بدون مبالاة بارتكابه .
ولا شك أنه متى جدد الإنسان توبته الصادقة في أعقاب ارتكابه للمعصية كان ذلك أرجى لقبولها عند اللَّه - تعالى - وهذا ما يفيده ظاهر الآية . ومنهم من فسر قوله * ( مِنْ قَرِيبٍ ) * بما قبل حضور الموت . وإلى هذا المعنى ذهب صاحب الكشاف فقال : قوله : * ( مِنْ قَرِيبٍ ) * أي : من زمان قريب . والزمان القريب : ما قبل حضرة الموت ألا ترى إلى قوله * ( حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ ) * . فبين أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة ، فبقى ما وراء ذلك في حكم القريب . وعن ابن عباس : قبل أن ينزل به سلطان الموت . وعن الضحاك : كل توبة قبل الموت فهي قريب « وفي الحديث الشريف : « إن اللَّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر » - أي ما لم تتردد الروح في الحلق « 1 » .
والذي نراه أن ما ذكره صاحب الكشاف وغيره من أن قوله * ( مِنْ قَرِيبٍ ) * معناه : من قبل حضور الموت ، لا يتعارض مع الرأي القائل بأن قوله * ( مِنْ قَرِيبٍ ) * معناه : تم يتوبون في وقت قريب من وقت عمل السوء ، لأن ما ذكره صاحب الكشاف وغيره بيان للوقت الذي تجوز التوبة فيه ولا تنفع بعده ، أما الرأي الثاني فهو بيان للزمن الذي يكون أرجى قبولا لها عند اللَّه .
والعاقل من الناس هو الذي يبادر بالتوبة الصادقة عقب المعصية بلا تراخ ، لأنه لا يدرى متى
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 489 .