تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
يحملونهم على تحويل أهوائهم عن اللذائذ الفانية إلى طلب الرغائب السامية آخذين في ذلك كله بطرف من الترغيب والترهيب والإنذار والتبشير حسبما أمرهم اللَّه - جل شأنه - . يفصلون في جميع ذلك للناس ما يؤهلهم لرضا اللَّه عنهم وما يعرضهم لسخطه عليهم . ثم يحيطون بيانهم بنبأ الدار الآخرة ، وما أعد اللَّه فيها من الثواب وحسن العقبى ، لمن وقف عند حدوده . وأخذ بأوامره . وبهذا تطمئن النفوس ، وتثلج الصدور ، ويعتصم المرزوء بالصبر ، انتظارا لجزيل الأجر . أو إرضاء لمن بيده الأمر . وبهذا ينحل أعظم مشكل في الاجتماع الإنسانى ، لا يزال العقلاء يجهدون أنفسهم في حله إلى اليوم « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( لكِنِ اللَّه يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَه بِعِلْمِه والْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ ، وكَفى بِاللَّه شَهِيداً ) * استدراك قصد به الرد على جحود أهل الكتاب للحق الذي جاء به النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : دخل على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم جماعة من اليهود فقال لهم : » إني واللَّه أعلم أنكم لتعلمون أنى رسول اللَّه . فقالوا : ما نعلم ذلك . فأنزل اللَّه قوله : * ( لكِنِ اللَّه يَشْهَدُ ) * . الآية « 2 » . والمقصود من الآية الكريمة تسلية النبي صلى اللَّه عليه وسلم عن تكذيب كثير من الناس له ، وإدخال الطمأنينة على قلبه ، فكأنه - سبحانه - يقول له : لم يشهد أهل الكتاب بأنك رسول من عند اللَّه وصادق فيما تبلغه عنه * ( لكِنِ اللَّه يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ ) * أي : لكن اللَّه يشهد بأن الذي أنزله إليك من قرآن هو الحق الذي لا ريب فيه . وقوله : * ( أَنْزَلَه بِعِلْمِه ) * أي : أنزله بعلم تام ، وحكمة بالغة ، أو بما علمه من مصالح عباده في إنزاله عليك . وقوله : * ( والْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ ) * أي : والملائكة يشهدون بأنك صادق في رسالتك ، وبأن ما أنزله اللَّه عليك هو الحق الذي لا تحوم حوله شبهة . وقوله . * ( وكَفى بِاللَّه شَهِيداً ) * أي : وكفى بشهادة اللَّه شهادة بأنك على الحق وإن لم يشهد غيره لك . فإنه لا عبرة لإنكار المنكرين لنبوتك ، ولا قيمة لجحود الجاحدين لما نزل عليك بعد شهادة اللَّه لك بأنك نبيه ورسوله ، لتخرج الناس بإذنه من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام . وقد أجاد صاحب الكشاف في توضيح تلك المعاني حيث قال : فإن قلت الاستدراك لا بد له
هامش
( 1 ) رسالة التوحيد للأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ص 117 وما بعدها . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 6 ص 31
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 395 | سيد محمد طنطاوي