تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
له : موسى الكليم . أي . وخاطب اللَّه موسى مخاطبة من غير واسطة . قال الجمل : والجملة إما معطوفة على قوله : * ( إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) * عطف القصة على القصة ، وإما حال بتقدير قد كما ينبئ عنه تغيير الأسلوب بالالتفات . وقوله * ( تَكْلِيماً ) * مصدر مؤكد لعامله رافع لاحتمال المجاز . قال الفراء : العرب تسمى ما وصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل . ما لم يؤكد بالمصدر . فإن أكد به لم يكن إلا حقيقة الكلام « 1 » . فدل قوله * ( تَكْلِيماً ) * على أن موسى قد سمع كلام اللَّه - تعالى - حقيقة من غير واسطة ، ولكن بكيفية لا يعلمها إلا هو - سبحانه - . وقد ساق بعض المفسرين نقولا حسنة في مسألة كلام اللَّه - تعالى - فارجع إليها إن شئت « 2 » . وقوله : * ( رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) * . بيان لوظيفة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وللحكمة من إرسالهم . وقوله : * ( رُسُلًا ) * منصوب على المدح ، أو بفعل مقدر قبله ، أي : وأرسلنا رسلا . والمراد بالحجة هنا : المعذرة التي يعتذر بها الكافرون والعصاة . أي : وكما أوحينا إليك يا محمد بما أوحينا من قرآن وهدايات . وأرسلناك للناس رسولا ، فقد أرسلنا من قبلك رسلا كثيرين مبشرين من آمن وعمل صالحا يرضا اللَّه عنه في الدنيا والآخرة ، ومنذرين من كفر وعصى بسوء العقبى ، وقد أرسل - سبحانه - الرسل مبشرين ومنذرين لكي لا يكون للناس على الله حجة يوم القيامة ، أي لكي لا تكون لهم معذرة يعتذرون بها كأن يقولوا . يا ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا فيبين لنا شرائعك ، ويعلمنا أحكامك وأوامرك ونواهيك ، فقد أرسلنا إليهم الرسل مبشرين ومنذرين لكي لا تكون لهم حجة يحتجون بها ، كما قال - تعالى - ولَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِه لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ ونَخْزى « 3 » . قال الآلوسي : فالآية ظاهرة في أنه لا بد من الشرع وإرسال الرسل . وأن العقل لا يغنى عن ذلك . وزعم المعتزلة أن العقل كاف وأن مسألة الرسل إنما هو للتنبيه عن سنة الغفلة التي تعترى الإنسان من دون اختيار . فمعنى الآية عندهم : لئلا يبقى للناس على اللَّه حجة .
هامش
( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 449 ( 2 ) تفسير القاسمي ج 5 من ص 1723 إلى ص 1752 ( 3 ) سورة طه الآية 134 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 393 | سيد محمد طنطاوي