تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
وتسمية ما يقال عند ترك الإرسال حجة مع استحالة أن يكون لأحد عليه - سبحانه - حجة مجاز . بتنزيل المعذرة في القبول عنده - تعالى - بمقتضى كرمه ولطفه منزلة الحجة القاطعة التي لا مرد لها « 1 » « . وقوله : * ( حُجَّةٌ ) * اسم يكون . وخبره قوله « للناس » وقوله : على اللَّه حال من حجة . وقوله : * ( بَعْدَ الرُّسُلِ ) * أي : بعد إرسال الرسل وتبليغ الشريعة على ألسنتهم وهو متعلق بالنفي أي : لتنتفى حجتهم واعتذارهم بعد إرسال الرسل . قال ابن كثير : وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم « لا أحد أغير من اللَّه ، ومن أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن . ولا أحد أحب إليه المدح من اللَّه ، ومن أجل ذلك مدح نفسه ، ولا أحد أحب إليه العذر من اللَّه ، ومن أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين وفي لفظ آخر : « ومن أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه » « 2 » . وقوله : * ( وكانَ اللَّه عَزِيزاً حَكِيماً ) * تذييل قصد به بيان قدرته التي لا تغالب وحكمته التي لا يحيط أحد بكنهها . أي : وكان اللَّه - تعالى - وما زال هو القادر الغالب على كل شيء ، الحكيم في جميع أفعاله وتصرفاته ، وسيجازى الذين أساؤا بما عملوا ، وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى . هذا وللمرحوم الأستاذ الإمام محمد عبده كلام نفيس في كتابه ( رسالة التوحيد ) عن : حاجة البشر إلى إرسال الرسل ، وعن وظيفتهم - عليهم الصلاة والسلام - ومما قاله في ذلك : الرسل يرشدون العقل إلى معرفة اللَّه وما يجب أن يعرف من صفاته . ويبينون الحد الذي يجب أن يقف عنده في طلب ذلك العرفان . على وجه لا يشق عليه الاطمئنان إليه ، ولا يرفع ثقته بما آتاه اللَّه من القوة . الرسل يبينون للناس ما اختلفت عليه عقولهم وشهواتهم . وتنازعته مصالحهم ولذاتهم . فيفصلون في تلك المخاصمات بأمر اللَّه الصادع . ويؤيدون بما يبلغون عنه ما تقوم به المصالح العامة . ولا يفوت به المصالح الخاصة . الرسل يضعون لهم بأمر اللَّه حدودا عامة . يسهل عليهم أن يردوا إليها أعمالهم . كاحترام الدماء البشرية إلا بحق . مع بيان الحق الذي تهدر له ، وحظر تناول شيء مما كسبه الغير إلا بحق . مع بيان الحق الذي يبيح تناوله . واحترام الأعراض . مع بيان ما يباح وما يحرم من الأبضاع .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 588 ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 18