قال الإمام الرازي : اعلم أنه - تعالى - لما حكى أن اليهود سألوا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء ، وذكر - سبحانه - بعد ذلك أنهم لا يسألون لأجل الاسترشاد ، ولكن لأجل العناد واللجاج ، وحكى أنواعا كثيرة من فضائحهم وقبائحهم . . . شرع - سبحانه - بعد ذلك في الجواب عن شبهاتهم فقال : * ( إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِه ) * « 1 » .
وقوله * ( أَوْحَيْنا ) * من الإيحاء أو الوحي . والوحي في الأصل : الإعلام في خفاء عن طريق الإشارة ، أو الإيماء ، أو الإلهام ، أو غير ذلك من المعاني التي تدل على أنه إعلام خاص ، وليس إعلاما ظاهرا .
والمراد به هنا إعلام اللَّه - تعالى - نبيه محمدا صلى اللَّه عليه وسلم ما أراد إعلامه به من قرآن أو غيره .
والمعنى : إنا أوحينا إليك يا محمد بكلامنا وأوامرنا ونواهينا وهداياتنا . . كما أوحينا إلى نبينا نوح وإلى سائر الأنبياء الذين جاؤوا من بعده . فأنت يا محمد لست بدعا من الرسل ، وإنما أنت رسول من عند اللَّه - تعالى - تلقيت رسالتك منه - سبحانه - كما تلقاها غيرك من الرسل .
وأكد - سبحانه - خبر إيحائه صلى اللَّه عليه وسلم ، للاهتمام بهذا الخبر ، ولإبطال ما أنكره المنكرون لوحى اللَّه - تعالى - على أنبيائه ورسله فقد حكى القرآن عن الجاحدين للحق أنهم قالوا : ما أَنْزَلَ اللَّه عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ .
وبدأ سبحانه بنوح عليه السلام ، لأنه الأب الثاني للبشرية بعد آدم عليه السلام ، ولأن في
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 108