تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
وقيل : إن القراءتين بمعنى واحد لأن أصل ( تلوا ) - وهي قراءة حمزة وابن عامر - تلووا - وهي قراءة الجمهور - نقلت حركة الواو - في قراءة الجمهور - إلى الساكن قبلها فالتقى واوان ساكنان فحذفت إحداهما فصارت الكلمة ( تلوا ) . هذا ، والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها تبنى المجتمع الإسلامي على أقوى القواعد ، وأمتن الأسس وأشرف المبادئ . إنها تبنيه على قواعد العدل والقسط ، وتأمر المؤمنين أن يلتزموا كلمة الحق مع أنفسهم ومع أقرب المقربين إليهم مهما تكلفوا في ذلك من جهاد شاق يقتضيه التزام الحق ، فإن كلمة الحق كثيرا ما تجعل صاحبها عرضة للإيذاء والاعتداء والاتهام بالباطل من الأشرار والفجار . بل إن كلمة الحق قد تفضى بصاحبها إلى الموت . ولكن لا بأس ، فإن الموت مع التمسك بالحق ، خير من الحياة في ظلمات الباطل . ثم أمر اللَّه - تعالى - المؤمنين أن يثبتوا على إيمانهم فقال : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّه ورَسُولِه والْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِه والْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ) * أي : يا أيها المؤمنون اثبتوا على إيمانكم وداوموا على تصديقكم بوحدانية اللَّه - تعالى - وعلى تصديقكم برسوله محمد صلى اللَّه عليه وسلم وبالكتاب الذي نزله اللَّه - تعالى - عليه وهو القرآن ، وبالكتاب الذي أنزله اللَّه - تعالى - على الرسل الذين أرسلهم من قبله . والمراد بالكتاب الذي أنزله على الرسل من قبله جنس الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل والزبور . ثم بين - سبحانه - سوء مصير من يكفر بشيء مما يجب الإيمان به فقال - تعالى - : * ( ومَنْ يَكْفُرْ بِاللَّه ومَلائِكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه والْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً ) * . أي : ومن يكفر باللَّه بأن يجحد وحدانيته وألوهيته ، ولا يخلص له العبادة ، ويكفر بملائكته بأن ينكر بأنهم عباد مكرمون لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ويكفر بكتبه التي أنزلها - سبحانه ، على أنبيائه ، وبرسله الذين أرسلهم لهداية الخلق . وباليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب ، من يكفر بكل ذلك فقد خرج عن طريق الهدى وبعد عن السبيل القويم بعدا كبيرا ، لأنه بكفره بذلك يكون قد خالف الفطرة ، وانحرف عما يقتضيه العقل السليم ، وأوغل في الشرور والآثام إيغالا شديدا ، يؤدى به إلى خزي الدنيا وعذاب الآخرة . وبعد هذه الأوامر السديدة للمؤمنين . عادت السورة الكريمة إلى تحذيرهم من أعدائهم ومن المنافقين ، فكشفت لهم عن طبيعتهم ، ونهتهم عن القعود معهم ، وبينت لهم أنماطا من خداعهم ، وألوانا من أخلاقهم الذميمة ، وأخبرتهم عن سوء مصير أولئك المنافقين والمتمادين في الغي والضلال .