يتهم في ذلك من السلف . ثم ظهرت من الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم ، فتركت شهادة من يتهم . وأجاز قوم شهادة بعضهم لبعض إذا كانوا عدولا « 1 » .
و * ( لَوْ ) * في قوله * ( ولَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ) * شرطية . والجار والمجرور خبر لكان المحذوفة مع اسمها . وجواب لو محذوف . والتقدير : ولو كانت الشهادة على أنفسكم فاشهدوا عليها بأن تقروا على أنفسكم بالحق ولا تكتموه .
وقوله - تعالى - * ( إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّه أَوْلى بِهِما ) * تأكيد لوجوب التزام الحق مع الغنى والفقير والصغير والكبير .
أي : إن يكن المشهود عليه غنيا يرجى في العادة ويخشى أو فقيرا يترحم عليه في الغالب ولا يخشى ، فلا تمتنعوا عن الشهادة ، لأن اللَّه - تعالى - هو الأولى والأجدر بحساب كل من الغنى والفقير ، وهو الأعلم بمصالح الناس ، والأرحم بهم منكم . وجواب الشرط محذوف ، أي : إن يكن المشهود عليه غنيا أو فقيرا فلا تتركوا الشهادة لأن الشهادة في مصلحتهما .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم ثنى الضمير في « أولى بهما » وكان حقه أن يوحد لأن قوله : إن يكن غنيا أو فقيرا في معنى إن يكن أحد هذين ؟
قلت قد رجع الضمير إلى ما دل عليه قوله : * ( إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً ) * لا إلى المذكور ، فلذلك ثنى ولم يفرد ، وهو جنس الغنى وجنس الفقير . فكأنه قيل : فاللَّه أولى بجنسى الغنى والفقير .
أي : بالأغنياء والفقراء . وفي قراءة أبى : فاللَّه أولى بهم وهي شاهدة على ذلك .
وقال ابن جرير : نزلت في النبي صلى اللَّه عليه وسلم إذ اختصم إليه رجلان : غنى وفقير . وكان ضلعه - أي ميله - مع الفقير لأنه يرى أن الفقير لا يظلم الغنى . فأبى اللَّه إلا أن يقوم بالقسط في الغنى والفقير فقال : * ( إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّه أَوْلى بِهِما ) * « 2 » .
والذي يستفاد من هذه الرواية ومن ظاهر الآية أن الغنى أو الفقر لا يصح أن يكونا سببا في التفاوت في الحكم . ويقاس عليهما غيرهما من أحوال الناس ، لأن اللَّه - تعالى - هو الذي نظم الكون بحكمته ، وهو أعلم بمصالح الناس من أنفسهم ، وجعل فيهم الغنى والفقير لأن الغنى والفقر أمران ثابتان في هذا الوجود ، ولا يمكن أن تخلو منهما الجماعة الإنسانية ، لأن ذلك تنظيم اللَّه - تعالى ، وإرادته الخالدة ، وهو الذي يتفق مع الطبيعة الإنسانية ، إذ العقول متفاوتة ، والعزائم مختلفة ، والأعمال متنوعة ، ونتيجة لذلك كانت الثمار ليست متحدة .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 410 - بتصرف وتلخيص - .
( 2 ) تفسير ابن جرير ج 5 ص 321 .