تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
تتحروه بالدقة التامة حتى تكون ملكة راسخة في نفوسكم . والقسط يكون في العمل كالقيام بما يجب من العدل بين الزوجات والأولاد ويكون في الحكم بين الناس . . « 1 » . وقوله * ( شُهَداءَ ) * خبر ثان لكونوا . وقوله * ( لِلَّه ) * متعلق بمحذوف حال من ضمير * ( شُهَداءَ ) * . أي : كونوا ملازمين للعدل في كل أموركم وكونوا مقيمين للشهادة على وجهها حالة كونها لوجه اللَّه ، لا لعرض من أعراض الدنيا . قال الفخر الرازي : وإنما قدم - سبحانه - الأمر بالقيام بالقسط على الأمر بالشهادة لوجوه : الأول : أن أكثر الناس من عادتهم أنهم يأمرون غيرهم بالمعروف ، فإذا آل الأمر إلى أنفسهم تركوه حتى إن أقبح القبيح إذا صدر عنهم كان في محل المسامحة وأحسن الحسن . وإذا صدر عن غيرهم كان محل المنازعة . فاللَّه - تعالى - نبه في هذه الآية على سوء هذه الطريقة . وذلك أنه - سبحانه - أمرهم بالقيام بالقسط أولا ، ثم أمرهم بالشهادة على الغير ثانيا ، تنبيها على أن الطريقة الحسنة أن تكون مضايقة الإنسان مع نفسه فوق مضايقته مع الغير . الثاني : أن القيام بالشهادة عبارة عن دفع ضرر العقاب عن الغير ، وهو الذي عليه الحق . ودفع الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير . الثالث : أن القيام بالقسط فعل ، والشهادة قول والفعل أقوى من القول « 2 » . وقوله : * ( ولَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ ) * تأكيد للأمر بالتزام الحق في الأحكام والشهادات . أي : كونوا قوامين بالقسط ، وكونوا مقيمين للشهادة بالحق خالصة لوجه اللَّه ، ولو كانت الشهادة على أنفسكم - بأن تقروا بأن الحق عليها إذا كان واقع الأمر كذلك - ولو كانت - أيضا . على والديكم وعلى أقرب الناس إليكم . قال القرطبي : وشهادة المرء على نفسه إقراره بالحقوق عليها ثم ذكر الوالدين لوجوب برهما وعظم قدرهما . ثم ثنى بالأقربين إذ هم مظنة المودة والتعصب فكان الأجنبي من الناس أحرى أن يقام عليه بالقسط ويشهد عليه . . . ولا خلاف بين أهل العلم في صحة أحكام هذه الآية ، وأن شهادة الولد على الوالدين ماضية ، ولا يمنع ذلك من برهما ، بل أن يشهد عليهما ويخلصهما من الباطل . وكان من مضى من السلف الصالح يجيزون شهادة الوالدين والأخ ، لأنه لم يكن أحد
هامش
( 1 ) تفسير المنار ج 5 ص 456 . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 72 .