والمراد بالهوى في قوله : * ( فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا ) * الخضوع للشهوات والميل مع نزعات النفس الأمارة بالسوء .
وقوله * ( أَنْ تَعْدِلُوا ) * في موضع المفعول لأجله ويحتمل أن يكون بمعنى العدل فيكون علة للمنهى عنه ، ويكون في الجملة مضاف مقدر . والمعنى : فلا تتبعوا الهوى والميل مع الشهوات كراهة أن تعدلوا بين الناس ويحتمل أن يكون بمعنى العدول عن الحق فيكون علة للنهي بتقدير لا ، أي : أنهاكم عن اتباع الهوى لئلا تميلوا عن الحق وتتركوا العدل .
قال ابن كثير : أي : لا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس إليكم ، على ترك العدل في شئونكم . بل الزموا العدل على أي حال كان . كما قال - تعالى - ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى . ومن هذا قول عبد اللَّه بن رواحة لما بعثه النبي صلى اللَّه عليه وسلم يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم ، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم ، فقال : واللَّه لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلى . ولأنتم أبغض الخلق إلى . وما يحملني حبى إياه وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم . فقالوا : بهذا قامت السماوات والأرض « 1 » .
وقوله - تعالى - * ( وإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّه كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) * تذييل قصد به تهديدهم ووعيدهم على ترك العدل ، وعلى الامتناع عن الشهادة بالحق .
قال الفخر الرازي ما ملخصه : وفي الآية قراءتان . فقد قرأ الجمهور * ( تَلْوُوا ) * - بواوين قبلهما لام ساكنة - بمعنى الدفع والإعراض من قولهم : لواه حقه إذا مطله ودفعه . أو بمعنى التحريف والتبديل من قولهم لوى الشيء إذا فتله .
وقرأ ابن عامر وحمزة تلوا بلام مضمومة بعدها واو ساكنة - من الولاية بمعنى مباشرة الشيء والاشتغال به « 2 » .
والمعنى على قراءة الجمهور : وإن تلووا ألسنتكم عن الشهادة بالحق بأن تحرفوها وتقيموها على غير وجهتها أو تعرضوا عنها رأسا وتتركوها يعاقبكم اللَّه عقابا شديدا فإنه - سبحانه - عليم بدقائق الأشياء ، خبير بخفايا النفوس ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه .
والمعنى على القراءة الثانية : وإن تلوا الشهادة فتباشروها على وجهها يعطكم اللَّه أجرا حسنا ، وإن تعرضوا عنها وتتركوها يعاقبكم اللَّه عقابا أليما ، فإن اللَّه - تعالى - خبير بكل أقوالكم وأعمالكم .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 565 .
( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 74 .