تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
وثانيها : أن المراد بهم أهل الكتاب . وقد رجح هذا الاتجاه ابن جرير فقال : وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال : عنى بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة ، ثم أقر من أقر منهم بعيسى والإنجيل ، ثم كذب به بخلافه إياه ، ثم كذب بمحمد صلى اللَّه عليه وسلم والفرقان ، فازداد بتكذيبه كفرا على كفره « 1 » . وثالثها : أن المراد بهم طائفة من اليهود كانوا يظهرون الإسلام تارة ثم يرجعون عنه إلى يهوديتهم لتشكيك المسلمين في دينهم وذلك معنى قوله : وقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْه النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَه لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ « 2 » . ورابعها : أن المراد بهم المنافقون . فالإيمان الأول وإظهارهم الإسلام . وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم . والإيمان الثاني هو أنهم كلما لقوا جمعا من المسلمين قالوا : إنا مؤمنون . والكفر الثاني هو أنهم إذا خلوا إلى إخوانهم في النفاق قالوا لهم إنا معكم . وازديادهم في الكفر هو جدهم واجتهادهم في استخراج أنواع المكر والكيد في حق المسلمين . والذي نراه أولى من بين هذه الأقوال القول الأول ، لأن ألفاظ الآية عامة ولم تخصص قوما دون قوم ، فكل من تكرر منهم الارتداد واستمروا في ضلالهم حتى ماتوا ينطبق عليهم الوعيد الذي بينته الآية الكريمة ، سواء كان أولئك الذين حدث منهم هذا الارتداد المتكرر من المنافقين أم من غيرهم . والمعنى : إن الذين آمنوا بدين الإسلام ثم رجعوا عنه إلى ما كانوا عليه من ضلال ، ثم آمنوا ثم كفروا مرة أخرى ، ثم ازدادوا كفرا على كفرهم بأن استمروا فيه حتى ماتوا . . . هؤلاء الذين فعلوا ذلك لم يكن اللَّه ليغفر لهم ، لتماديهم في الكفر وإصرارهم عليه حتى ماتوا ، ولم يكن - سبحانه - ليهديهم سبيلا مستقيما ، لأنهم هم الذين استحبوا العمى على الهدى ، وهم الذين كانوا إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوه سَبِيلًا ، وإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوه سَبِيلًا . قال الآلوسي : والقول المشهور الذي عليه الجمهور أن المراد من نفى المغفرة والهداية ، نفى ما يقتضيهما وهو الإيمان الخالص الثابت . ومعنى نفيه : استبعاد وقوعه ، فإن من تكرر منهم الارتداد وازدياد الكفر والإصرار عليه صاروا بحيث قد ضربت قلوبهم بالكفر ، وصار الإيمان عندهم أدون شيء وأهونه ، فلا يكادون يقربون منه قيد شبر ليتأهلوا للمغفرة وهداية سبيل الجنة ، لا أنهم لو أخلصوا الإيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم .
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ج 5 ص 328 . ( 2 ) سورة آل عمران الآية 72 .