تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
وقوله * ( قَوَّامِينَ ) * جمع قوام وهو صيغة مبالغة من قائم . والقوام : هو المبالغ في القيام بالشيء وفي الإتيان به على أتم وجه وأحسنه . وقوله * ( شُهَداءَ ) * جمع شهيد بوزن فعيل . والأصل في هذه الصيغة أنها تدل على الصفات الراسخة في النفس ككريم وحكيم . والمعنى : يا أيها الذين آمنوا بالحق إيمانا صادقا . كونوا مواظبين على إقامة العدل فيما بينكم في جميع الظروف والأحوال دون أن يصرفكم عن ذلك صارف ، وكونوا « شهداء للَّه » أي : مقيمين للشهادة بالحق ابتغاء وجه اللَّه لا لغرض من الأغراض الدنيوية . ولا لمطمع من المطامع الشخصية ، فإن الإيمان الحق يستلزم منكم أن تعدلوا في أحكامكم وأن تؤدوا الشهادة على وجهها . وفي ندائه - سبحانه - لهم بقوله * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) * تنبيه إلى الأمر الخير الذي ناداهم من أجله ودعاهم إلى تنفيذه وهو التزام العدالة في كل أمورهم ، وتحريك لعاطفة الإيمان في قلوبهم بمقتضى وصفهم - بهذه الصفة الجليلة . وعبر - سبحانه - بقوله * ( كُونُوا قَوَّامِينَ ) * بصيغة المبالغة الدالة على الكثرة والمداومة على الشيء ، لتمكين صفة العدالة في نفوسهم ، وترسيخها في قلوبهم . فكأنه - سبحانه - يقول لهم : روضوا أنفسكم على التزام كلمة الحق ، وعودوها على نصرة المظلوم وخذلان الظلم ، وليكن ذلك خلقا من أخلاقكم . وسجية من سجاياكم ، فلا يكفى أن تعدلوا في أحكامكم مرة أو مرتين ، وإنما الواجب عليكم أن تداوموا على إقامة العدل في كل الأحوال ، ومع كل الأشخاص . قال صاحب المنار : وهذه العبارة - وهي قوله - تعالى - * ( كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ) * أبلغ ما يمكن أن يقال في تأكيد أمر العدل والعناية به فالأمر بالعدل والقسط مطلقا يكون بعبارات مختلفة بعضها آكد من بعض تقول : اعدلوا أو أقسطوا . وتقول : كونوا عادلين أو مقسطين . وهذه العبارة أبلغ لأنها أمر بتحصيل الصفة لا بمجرد الإتيان بالقسط الذي يصدق بمرة . وتقول : أقيموا القسط . وأبلغ منه : كونوا قائمين بالقسط . وأبلغ من هذا وذاك : كونوا قوامين بالقسط . أي : لتكن المبالغة والعناية بإقامة القسط على وجهه صفة من صفاتكم ، بأن
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 342 | سيد محمد طنطاوي