تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
ثم حرض - سبحانه - الناس على أن يقصدوا بعملهم وجه اللَّه ، وأن يجعلوا مقصدهم الأعظم الفوز بنعيم الآخرة فقال - تعالى - : * ( مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّه ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ ، وكانَ اللَّه سَمِيعاً بَصِيراً ) * . والمراد بثواب الدنيا : خيراتها التي تعود على طالبها بالنفع الدنيوي . والمراد بثواب الآخرة : الجزاء الحسن الذي أعده اللَّه - تعالى - لعباده الصالحين . والمعنى : من كان يريد ثواب الدنيا كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة والمنافع الدنيوية ، فأخبره وأعلمه يا محمد أن عند اللَّه ثواب الدنيا والآخرة . فلما ذا قصر الطلب على المنافع الدنيوية مع أن ثواب الآخرة أجزل وأبقى ؟ وهلا اقتدى بمن قالوا في دعائهم : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ؟ وجزاء الشرط محذوف بتقدير الإعلام والإخبار . أي : من كان يريد ثواب الدنيا فأعلمه وأخبره أن عند اللَّه ثواب الدارين فماله لا يطلب ذلك أو يطلب الأشرف وهو ثواب الآخرة فإن من جاهد - مثلا - جهادا خالصا لم تفته المنافع الدنيوية ، وله بجانب ذلك في الآخرة ما هو أنفع وأعظم وأبقى . فقد روى الإمام أحمد عن زيد بن ثابت أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « من كان همه الآخرة جمع اللَّه - تعالى شمله ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن كانت نيته الدنيا فرق اللَّه عليه ضيعته ، وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له » « 1 » . ويرى صاحب البحر المحيط أن جواب الشرط محذوف لدلالة المعنى عليه فقد قال : والذي يظهر أن جواب الشرط محذوف لدلالة المعنى عليه . والتقدير : من كان يريد ثواب الدنيا فلا يقتصر عليه وليطلب الثوابين فعند اللَّه ثواب الدنيا والآخرة . ثم قال : وقال الراغب وقوله * ( فَعِنْدَ اللَّه ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ ) * تبكيت للإنسان حيث اقتصر على أحد السؤالين مع كون المسؤول مالكا للثوابين ، وحث على أن يطلب منه - تعالى - ما هو أكمل وأفضل من مطلوبه . فمن طلب خسيسا مع أنه يمكنه أن يطلب نفيسا فهو دنيء الهمة . وقيل : الآية وعيد للمنافقين الذين لا يريدون بالجهاد غير الغنيمة « 2 » . وما عبر عنه صاحب البحر المحيط بقوله : وقيل : الآية وعيد للمنافقين ، قد رجحه ابن جرير واختاره فقد قال ما ملخصه : قوله * ( مَنْ كانَ يُرِيدُ ) * أي : ممن أظهر الإيمان من أهل النفاق .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 5 ص 167 ( 2 ) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 3 ص 269 .