تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
قال الإمام الرازي في بيان صلة هذه الآيات بما قبلها : اعلم أن عادة اللَّه - تعالى - في ترتيب هذا الكتاب الكريم وقع على أحسن الوجوه . وهو أن يذكر شيئا من الأحكام ثم يذكر عقيبه آيات كثيرة في الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ، ويخلط بها آيات دالة على كبرياء اللَّه وجلال قدرته . ثم يعود مرة أخرى إلى بيان الأحكام وهذا أحسن أنواع الترتيب وأقربها إلى التأثير في القلوب ، لأن التكاليف بالأعمال الشاقة لا يقع في موقع القبول إلا إذا كان مقرونا بالوعد والوعيد . والوعد والوعيد لا يؤثر في القلب إلا عند القطع بغاية كمال من صدر عنه الوعد والوعيد . فظهر أن هذا الترتيب أحسن الترتيبات اللائقة بالدعوة إلى الحق . إذا عرفت هذا فنقول : إنه - سبحانه - ذكر في أول هذه السورة أنواعا كثيرة من الشرائع والتكاليف . ثم أتبعها بشرح أحوال الكافرين والمنافقين واستقصى في ذلك . ثم ختم تلك الآيات الدالة على عظمة جلال اللَّه وكمال كبريائه . ثم عاد بعد ذلك إلى بيان الأحكام فقال : * ( ويَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ ) * . . إلخ الآية « 1 » . وقوله * ( ويَسْتَفْتُونَكَ ) * من الاستفتاء بمعنى طلب الفتيا أو الفتوى . يقال استفتيت العالم في مسألة كذا . أي سألته أن يبين حكمها . فالإفتاء إظهار المشكل من الأحكام وتبيينه . فمعنى * ( ويَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ ) * : ويسألك أصحابك يا محمد أن تفتيهم في أمر النساء . أي يطلبون منك تبيين المشكل من الأحكام التي تتعلق بما يجب للنساء من حقوق ، وبما يكون عليهن من واجبات . والذي حمل الصحابة على هذا الطلب أنهم كانوا في جاهليتهم يعاملون النساء معاملة سيئة ، ويظلمونهن ظلما شديدا ، ثم وجدوا أن الإسلام الذي يدينون به قد أكرم المرأة وأنصفها بطريقة
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 61