تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
أي : لا أحد أحسن دينا ، وأصوب طريقا ممن أخلص نفسه للَّه ، وأتقن أعماله الصالحة على الوجه الذي يرضاه اللَّه - تعالى - واتبع ملة إبراهيم الذي كان مبتعدا عن كل الملل الزائفة المعوجة ومتجها إلى الدين الحق ، والمنهاج المستقيم . والمراد بملة إبراهيم : شريعته التي كان يدين اللَّه عليها ، ومنهاجه الذي يوافق منهاج الإسلام الذي أتى به محمد - عليه الصلاة والسلام . وحنيفا من الحنف وهو الميل عن الضلال إلى الاستقامة . وضده الجنف يقال : تحنف فلان أي تحرى طريق الاستقامة . وقوله * ( واتَّخَذَ اللَّه إِبْراهِيمَ خَلِيلًا ) * تذييل جيء به للترغيب في اتباع ملة إبراهيم ، وللتنويه بشأنه - عليه السلام - وبشأن من اتبع طريقته . والخليل في كلام العرب : هو الصاحب الملازم الذي لا يخفى عليه شيء من أمور صاحبه . مشتق من الخلة وهي صفاء المودة التي توجب الاختصاص بتخلل الأسرار . قال الآلوسي : والخليل مشتق من الخلة - بضم الخاء - وهي إما من الخلال - بكسر الخاء - فإنها مودة تتخلل النفس وتخالطها مخالطة معنوية . فالخليل من بلغت مودته هذه المرتبة . وإما من الخلل على معنى أن كلا من الخليلين يصلح خلل الآخر . وإما من الخل - بالفتح - وهو الطريق في الرمل ، لأنهما يتوافقان على طريقة . وإما من الخلة - بفتح الخاء - بمعنى الخصلة لأنهما يتوافقان في الخصال والأخلاق . وأطلق الخليل على إبراهيم ، لأن محبة اللَّه تعالى ، قد تخللت نفسه وخالطتها مخالطة تامة ، أو لتخلقه بأخلاق اللَّه تعالى « 1 » . والمعنى : واتخذ اللَّه إبراهيم حنيفا له من بين خلقه ، لأنه - عليه السلام - كان خالص المحبة لخالقه - عز وجل - ومبغضا لكل ما يبغضه اللَّه من الشريك والأعمال السيئة ، وغيورا على إعلاء كلمة اللَّه وعلى تمكين دينه في الأرض فوصفه اللَّه - تعالى - بهذا الوصف الجليل ، وأسبغ عليه الكثير من ألوان نعمه وفضله . قال الجمل : وقوله * ( واتَّخَذَ اللَّه إِبْراهِيمَ خَلِيلًا ) * في * ( خَلِيلًا ) * وجهان ، فإن عدينا اتخذ لاثنين كان مفعولا ثانيا وإلا كان حالا . وهذه الجملة عطف على الجملة الاستفهامية التي معناها الخبر للتنبيه على شرف المتبوع وأنه جدير بأن يتبع لاصطفاء اللَّه له بالخلة ، وفائدة هذه الجملة تأكيد وجوب اتباع ملته ، لأن من بلغ من الزلفى عند اللَّه أن اتخذه خليلا جديرا بأن تتبع ملته . وأظهر اسم إبراهيم في مقام الإضمار لتفخيم شأنه ، والتنصيص على أنه متفق على مدحه « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 5 ص 115 ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 148