لا يستطيع أن يعمل جميع الأعمال الصالحة ، وإنما كل إنسان يعمل على قدر طاقته وقدرته ولا يكلف نفسا إلا وسعها .
و * ( مَنْ ) * في قوله * ( مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى ) * للبيان . أي بيان أن الأحكام الشرعية وما يترتب عليها من ثواب يشترك فيه الرجال والنساء إلا إذا قام دليل على أن أحد الصنفين مختص بحكم معين لا يشاركه فيه الصنف الآخر .
وفي ذلك إنصاف للمرأة من الظلم الذي كان واقعا عليها قبل شريعة الإسلام العادلة .
والجملة الكريمة في موضع نصب على الحال من ضمير * ( يَعْمَلْ ) * .
وقوله * ( وهُوَ مُؤْمِنٌ ) * قيد لإخراج غير المؤمن لأن الكافر مهما قدم من أعمال صالحة في الدنيا فإنها لن تنفعه في الآخرة بسبب كفره بالدين الحق .
واسم الإشارة وهو قوله * ( فَأُولئِكَ ) * يعود إلى من في قوله * ( ومَنْ يَعْمَلْ ) * باعتبار معناها .
وقوله * ( ولا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ) * بيان لفضل اللَّه - تعالى - وعد له ، وأنه - سبحانه - إِنَّ اللَّه لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِنْ لَدُنْه أَجْراً عَظِيماً .
ثم أثنى - سبحانه - على من أخلص له الإيمان والعمل فقال : * ( ومَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَه لِلَّه وهُوَ مُحْسِنٌ ) * .
أي : لا أحد أحسن دينا ، وأجدر بالقبول عند اللَّه وبجزيل ثوابه ممن أخلص نفسه للَّه ، وجعلها سالمة له بحيث لا تعرف لها ربا ولا معبودا سواه .
وقوله * ( وهُوَ مُحْسِنٌ ) * أي : وهو مؤد لما أمره اللَّه به ومبتعد عن كل ما نهاه اللَّه عنه ، على الوجه اللائق الحسن .
فالاستفهام في قوله * ( ومَنْ أَحْسَنُ ) * للنفي . والمقصود منه مدح من فعل ذلك على أتم وجه .
وقوله * ( وهُوَ مُحْسِنٌ ) * جملة في موضع الحال من فاعل * ( أَسْلَمَ ) * .
فالآية الكريمة قد أشارت إلى أن الدين الحق يقتضى أمرين :
أولهما : إخلاص القلب والنية للَّه - تعالى - بحيث لا يكون عامرا إلا بذكر اللَّه .
والثاني : إتقان العمل الصالح وإجادته حتى يصل إلى مرتبة الإحسان الذي عرفه النبي صلى اللَّه عليه وسلم بقوله : « الإحسان أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » .
وقوله * ( واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ) * بيان لما كان عليه إبراهيم - عليه السلام - من عقيدة سليمة ، ودين قويم . وهو معطوف على قوله * ( أَسْلَمَ وَجْهَه ) * .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 322
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٣٢٢