تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
وقد سار ابن كثير في تفسيره على أن الخطاب لجميع الطوائف فقال : « والمعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني ، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال . وليس كل من ادعى شيئا حصل له بمجرد دعواه ، ولا كل من قال إنه على الحق سمع قوله بمجرد ذلك حتى يكون له من اللَّه برهان ولهذا قال : * ( لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ ولا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ ) * . أي ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني . بل العبرة بطاعة اللَّه - سبحانه - واتباع ما شرعه على ألسنة رسله ولهذا قال بعده * ( مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِه ) * . كقوله : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه . ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه « 1 » . ومنهم من يرى أن الخطاب في قوله * ( لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ ) * للمسلمين . وقد أشار إلى ذلك صاحب الكشاف بقوله : في * ( لَيْسَ ) * ضمير وعد اللَّه أي : ليس ينال ما وعد اللَّه من الثواب * ( بِأَمانِيِّكُمْ ولا ) * بأمانى أهل الكتاب . والخطاب للمسلمين ، لأنه لا يتمنى وعد اللَّه إلا من آمن به . وكذلك ذكر أهل الكتاب معهم لمشاركتهم لهم في الإيمان بوعد اللَّه « 2 » . ومنهم من يرى أن الخطاب للمشركين . وقد رجح ذلك ابن جرير فقال ما ملخصه : وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما قاله مجاهد من أنه عنى بقوله * ( لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ ) * . مشركي قريش . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب . لأن المسلمين لم يجر لأمانيهم ذكر فيما مضى من الآي قبل قوله * ( لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ ) * وإنما جرى ذكر أماني نصيب الشيطان المفروض في قوله قبل ذلك . ولأُمَنِّيَنَّهُمْ ولآمُرَنَّهُمْ وقوله * ( يَعِدُهُمْ ويُمَنِّيهِمْ ) * فإلحاق معنى قوله - تعالى - * ( لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ ) * بما ذكره قبل أحق وأولى من ادعاء تأويل فيه لا دالة عليه من ظاهر التنزيل ، ولا من أثر الرسول صلى اللَّه عليه وسلم « 3 » . ومع وجاهة هذا الرأي الذي سار عليه ابن جرير ، إلا أنا نؤثر عليه ما ذهب إليه ابن كثير من أن الآية الكريمة تخاطب الناس جميعا سواء أكانوا مؤمنين أم مشركين أم من أهل الكتاب . لأن الآية الكريمة تضع لهم جميعا قاعدة عامة وهي أن الوصول إلى ثواب اللَّه ورضاه لا ينال بالأمانى والأحلام وإنما ينال بالإيمان والعمل الصالح . وقوله * ( مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِه ) * جملة مكونة من شرط وجزاء . والمراد بالسوء ما يشمل الكفر والمعاصي . وقيل : المراد بالسوء هنا الكفر فقط .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 557 . ( 2 ، 3 ) تفسير ابن جرير ج 5 ص 291 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 320 | سيد محمد طنطاوي