تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
والاستفهام في قوله * ( ومَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّه قِيلًا ) * للنفي . والقيل مصدر كالقول أي : هذا ما وعد اللَّه به عباده المؤمنين ، وما وعد اللَّه به عباده فهو متحقق الوقوع لا محالة ، لأنه لا أحد أصدق من اللَّه قولا . فالجملة الكريمة تذييل قصد به تأكيد ما سبقه من وعد اللَّه لعباده المؤمنين بالجنة . وقوله * ( قِيلًا ) * منصوب على أنه تمييز نسبة من قوله * ( ومَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّه ) * ثم بين - سبحانه - أن الوصول إلى رضوانه لا يكون بالأمانى والأوهام وإنما يكون بالإيمان والعمل الصالح فقال : * ( لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ ولا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِه . ولا يَجِدْ لَه مِنْ دُونِ اللَّه وَلِيًّا ولا نَصِيراً ) * . والأماني : جمع أمنية . وهي ما يتمناه الإنسان ويرغب فيه ويشتهيه من أشياء متنوعة . كحصوله على الخير الوفير في الدنيا ، وعلى الجنة في الآخرة . وهي مأخوذة من التمني . وقد روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها قول قتادة : ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا . فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم ، وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى منكم . وقال المسلمون : نحن أولى باللَّه منكم ، ونبينا خاتم النبيين . وكتابنا يقضى على الكتب التي كانت قبله . فأنزل اللَّه : * ( لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ ولا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ ) * . الآية . وقال مجاهد : قالت العرب لن نبعث ولن نعذب . وقالت اليهود والنصارى لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى . فأنزل اللَّه - تعالى - * ( لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ ) * . الآية « 1 » . والضمير في قوله * ( لَيْسَ ) * يعود إلى ما تقدم ذكره من الوعد المتقدم وهو نيل الثواب ودخول الجنة . والخطاب لجميع الفرق التي حدث بينها تنازع في شأن الدين الحق ، وفي شأن ما يترتب على ذلك من ثواب . والمعنى : ليس ما وعد اللَّه به من الثواب أو إدخال الجنة ، أوليس ما تحاورتم فيه حاصلا بمجرد أمانيكم - أيها المسلمون - أو أماني أهل الكتاب أو غيرهم ، وإنما ما تمنيتموه جميعا يحصل بالإيمان الصادق ، وبالعمل الصالح ، وبالسعي والجد في طاعة اللَّه ، فقد اقتضت سنة اللَّه - تعالى - أن من يعمل خيرا يجد خيرا ، و * ( مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِه ) * أي : من يرتكب معصية مؤمنا كان أو كافرا يجازه اللَّه بها عاجلا أو آجلا إلا إذا تاب ، أو تفضل اللَّه عليه بالمغفرة إذا كان مؤمنا .
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ج 5 ص 388 .