تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
سرقها فاعف عنه . فقال لها كذبت . إن اللَّه لا يؤاخذ عبده في أول مرة « 1 » . وقوله يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّه بيان لأحوالهم القبيحة التي تجعلهم محل غضب اللَّه وسخطه . والاستخفاء معناه الاستتار . يقال استخفيت من فلان . أي : تواريت منه واستترت . أي : أن هؤلاء الذين من طبيعتهم الخيانة والوقوع في الآثام يستترون من الناس عندما يقعون في المنكرات حياء منهم وخوفا من ضررهم ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّه أي : ولا يشعرون برقابة اللَّه عليهم ، واطلاعه على جميع أحوالهم ، بل يرتكبون ما يرتكبون من آثام بدون حياء منه مع أنه - سبحانه - هو الأحق بأن يستحى منه ، ويخشى من عقابه . وقوله وهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وكانَ اللَّه بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً بيان لشمول علمه - سبحانه - بكل حركاتهم وسكناتهم . أي : أن هؤلاء الخائنين يرتكبون السوء بدون حياء من اللَّه ، مع أنه - سبحانه - معهم في كل حركاتهم وسكناتهم بعلمه واطلاعه على أقوالهم وأعمالهم ولا يخفى عليه شيء من أمرهم حين « يبيتون » أي يضمرون ويدبرون ويقدرون في أذهانهم مالا يرضاه اللَّه - من القول كأن يرتكبوا المنكرات ثم يمسحونها في غيرهم حتى لا يفتضح أمرهم . قال صاحب الكشاف : وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم فيه من قلة الحياء والخشية من ربهم ، مع علمهم - إن كانوا مؤمنين - أنهم في حضرته لا سترة ولا غفلة ولا غيبة ، وليس إلا الكشف الصريح والافتضاح . وقوله يُبَيِّتُونَ أي : يدبرون ويزورون وأصله أن يكون ليلا ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وهو تدبير طعمة أن يرمى الدرع في دار غيره . فإن قلت : كيف سمى التدبير قولا وإنما هو معنى في النفس ؟ قلت : لما حدث بذلك نفسه سمى قولا على المجاز . ويجوز أن يكون المراد بالقول : الحلف الكاذب الذي حلف به طعمة بعد أن بيته وتوريكه الذنب على اليهودي « 2 » . وقوله وكانَ اللَّه بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً تذييل قصد به التهديد والوعيد . أي وكان اللَّه - تعالى - محيطا إحاطة تامة بما يعمله هؤلاء الخائنون وغيرهم ولا يغيب عن علمه شيء من تصرفاتهم ، وسيحاسبهم عليها يوم القيامة .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 563 ( 2 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 563 . وقوله « وتوريكه الذنب » يقال : ورك فلان ذنبه على غيره أي رماه به .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 300 | سيد محمد طنطاوي