تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
ثم وبخ - سبحانه - أولئك الذين دافعوا عن الخائنين وجادلوا عنهم بالباطل فقال : ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّه عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا . أي : ها أنتم أيها المدافعون عن الخائنين كطعمة وأمثاله قد جادلتم عنهم في الدنيا مبرئين إياهم من الخيانة بدون حق ، فمن ذا الذي يستطيع منكم أن يدافع عنهم أمام اللَّه يوم القيامة ، بل من يكون عليهم يومئذ وكيلا . أي : قائما بتدبير أمورهم ، ومدافعا عنهم ؟ لا شك أنه لن يكون هناك أحد يدافع عنهم يوم القيامة لأن كل إنسان سيجازى بعمله ، ولن ينفعه دفاع المدافعين ، أو جدال المجادلين . وقوله ها حرف تنبيه . أي تنبيه المخاطبين على خطئهم في المجادلة عن السارق ، وقوله أَنْتُمْ مبتدأ . وقوله هؤُلاءِ منادى بحرف نداء محذوف مبنى على الكسر في محل نصب . وجملة جادَلْتُمْ عَنْهُمْ . خبر المبتدأ . وبعضهم أعرب هؤلاء خبر أول . وجعل جملة جادلتم خبرا ثانيا . وقوله جادَلْتُمْ من الجدل بمعنى الفتل ومنه رجل مجدول الفتل أي قوى البنية فالجدال معناه تقوية الحجة التي يدافع بها الإنسان عن نفسه أو عن غيره . وقيل إن الجدال مأخوذ من الجدالة وهي وجه الأرض . فكأن كل واحد من الخصمين يكون كالمصارع الذي يريد أن يلقى صاحبه عليها . ومنه قولهم : تركته مجدلا أي مطروحا على الأرض . وأَمْ في قوله أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا منقطعة للإضراب الانتقالى . والاستفهام إنكاري بمعنى النفي في الموضعين . أي لا أحد يجادل عنهم أمام اللَّه - تعالى - ولا أحد يستطيع أن يقوم بتدبير أمورهم يوم القيامة . ثم فتح - سبحانه - بعد هذا التوبيخ الشديد للخائنين - باب التوبة لعباده فقال : ومَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَه ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّه يَجِدِ اللَّه غَفُوراً رَحِيماً أي : ومن يعمل عملا سيئا يؤذى به غيره كما فعل طعمة باليهودي ، أو يظلم نفسه بارتكاب الفواحش ، التي يعود معظم ضررها على نفسه كشرب الخمر ، وترك فرائض اللَّه التي فرضها على عباده ثم بعد كل ذلك يَسْتَغْفِرِ اللَّه بأن يتوب إليه توبة صادقة نصوحا « يجد اللَّه » بفضله وكرمه غَفُوراً رَحِيماً أي كثير الغفران لعباده التائبين ، واسع الرحمة إليهم . فالمراد بعمل السوء هنا - على أرجح الأقوال - العمل السيئ الذي يكون فيه أذى للغير كالقذف والشتم والسب وما يشبه ذلك .