تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له . فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار ، فليحملها أو ليذرها « . وفي رواية للإمام أحمد عن السيدة أم سلمة - أيضا - قالت : جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في مواريث بينهما قد درست . ليس عندهما بينه . فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « إنكم تختصمون إلى وإنما أنا بشر . ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض . فإني أقضى بينكم على نحو ما أسمع . فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار . . فبكى الرجلان وقال كل منهما : حقي لأخي . فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أما إذا قلتما ذلك فاذهبا فاقتسما ، ثم توخيا الحق بينكما ثم استهما . ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه » « 1 » . وقوله « ولا تكن للخائنين خصيما » معطوف على كلام مقدر يفهم من المقام . والخصيم هنا بمعنى المنتصر المدافع عن غيره فهو اسم فاعل بمعنى مخاصم وجمعه الخصماء . وأصله من الخصم وهو ناحية الشيء وطرفه . وقيل للخصمين خصمان ، لأن كل واحد منهما في ناحية من الحجة والدعوى . والمعنى : إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاحكم به ولا تكن لأجل الخائنين مخاصما للبراء ، بأن تجعل فكرك ينحاز إلى أولئك الخائنين - الذين يظهرون الإسلام - قبل سماع البينات الهادية المرشدة إلى الحق . وسماهم - سبحانه - خائنين ، لأنهم في علمه - تعالى - كانوا كذلك وقد أخبر نبيه بخيانتهم ليحذرهم ولا يحسن الظن بهم . قال القرطبي : قال العلماء : لا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاق قوم أن يجادل فريق منهم فريقا عنهم ليحموهم ويدفعوا عنهم . فإن هذا قد وقع على عهد النبي صلى اللَّه عليه وسلم وفيهم نزل قوله - تعالى - * ( ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً ) * . وقوله : ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ . والخطاب للنبي صلى اللَّه عليه وسلم والمراد منه الذين كانوا يفعلونه من المسلمين دونه لوجهين : أحدهما : أنه - تعالى - أبان ذلك بما ذكره بعد بقوله ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا . والآخر : أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم كان حكما فيما بينهم ، ولذلك كان يعتذر إليه ولا يعتذر هو إلى غيره فدل على أن القصد لغيره « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 551 ( 2 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 377
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 298 | سيد محمد طنطاوي