تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
ثم قال - تعالى - * ( واسْتَغْفِرِ اللَّه إِنَّ اللَّه كانَ غَفُوراً رَحِيماً ) * . أي : واستغفر اللَّه مما هممت به من تبرئة طعمة وإدانة اليهودي ، حيث إن ظاهر الأمر يقتضى ذلك ، وهذا وإن لم يكن ذنبا ، إلا أنه - سبحانه - أمر نبيه صلى اللَّه عليه وسلم بالاستغفار من ذلك ، لعلو مقامه على حد قول العلماء : حسنات الأبرار سيئات المقربين . أو المعنى : واستغفر اللَّه لهؤلاء الخائنين لكي يتوبوا إلى اللَّه - تعالى - ببركة استغفارك لهم ، إن اللَّه - تعالى - كان كثير المغفرة لمن تاب إليه ، وكثير الرحمة لمن آمن به واتقاه . وهذا الأمر بالاستغفار والإنابة إلى اللَّه موجه إلى كل مكلف في شخص النبي صلى اللَّه عليه وسلم ثم قال - تعالى - ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّه لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً . أي : ولا تخاصم وتدافع عن هؤلاء الذين « يختانون أنفسهم » أي يخونونها بشدة وإصرار إن اللَّه - تعالى - لا يحب ولا يرضى عمن كانت الخيانة وصفا من أوصافه ، وخلقا من أخلاقه ، وكذلك لا يحب ولا يرضى عمن كان الانهماك في الإثم والمعصية عادة من عاداته . وجاء - سبحانه - بلفظ يَخْتانُونَ بمعنى يخونون ، لقصد وصفهم بالمبالغة في الخيانة لأن مادة الافتعال تدل على التكلف والمحاولة . وجعلت خيانة هؤلاء لغيرهم خيانة لأنفسهم ، لأن سوء عاقبة هذه الخيانة سيعود عليهم . ولأن المسلمين جميعا كالجسد الواحد فمن تظاهر بأنه منهم ثم خان أحدهم فكأنما خان نفسه ، وأوردها موارد البوار والتهلكة باعتدائه على حقوق الجماعة الإسلامية ، وزعزعة أمنها واستقرارها . والمراد بالموصول في قوله ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ طعمة وأمثاله من الخائنين أو هو ومن عاونه وشهد ببراءته من أبناء عشيرته . وقال - سبحانه - إِنَّ اللَّه لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً بصيغة المبالغة لإفادة أن الخيانة والإثم صارا وصفا ملازما لهؤلاء الخائنين الآثمين . أي أن صيغة المبالغة هنا ليست للتخصيص حتى لا يتوهم متوهم أن اللَّه - تعالى - يحب من عنده أصل الخيانة والإثم . وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله : فإن قلت : لم قيل « خوانا أثيما » على المبالغة ؟ قلت : كان اللَّه عالما من طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب المآثم ، ومن كانت تلك خاتمة أمره لم يشك في حاله . وقيل : إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات . وعن عمر - رضى اللَّه عنه - أنه أمر بقطع يد سارق ، فجاءت أمه تبكى وتقول : هذه أول سرقة