تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات مختلفة السياق إلا أنها متقاربة المعاني . ومن ذلك ما ذكره صاحب الكشاف من أن رجلا اسمه طعمة بن أبيرق - أحد بنى ظفر - سرق درعا من جار له أسمه قتادة ابن النعمان في جراب دقيق . فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه . وخبأ طعمة الدرع عند رجل من اليهود اسمه زيد بن السمين . فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد وحلف ما أخذها ، وماله بها علم . فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها . فقال اليهودي : دفعها إلى طعمة وشهد له ناس من اليهود . فقالت بنو ظفر - أقارب طعمة - : انطلقوا بنا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فلما وصلوا إليه سألوه أن يجادل - أي يدافع - عن صاحبهم طعمة وقالوا : إن لم تفعل هلك وافتضح وبرىء اليهودي . فهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أن يفعل وأن يعاقب اليهودي . وقيل هم أن يقطع يده فنزلت « 1 » . وهذه الآيات الكريمة وإن كانت قد نزلت في حادثة معينة ، إلا أن توجيهاتها وأحكامها تتناول جميع المكلفين في كل زمان ومكان . وقوله تعالى * ( إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّه ) * تشريف للنبي صلى اللَّه عليه وسلم وإرشاد إلى ما يجب أن يكون عليه الحاكم أو القاضي من عدالة ونزاهة . أي : إنا أنزلنا إليك يا محمد القرآن الكريم ، إنزالا ملتبسا بالحق وبالعدل لكي تحكم بين الناس في قضاياهم بما أراك اللَّه . أي بما عرفك وأعلمك وأوحى به إليك وقوله * ( بِالْحَقِّ ) * في محل نصب على الحال المؤكدة فيتعلق بمحذوف . وصاحب الحال هو الكتاب . أي : أنزلناه ملتبسا بالحق . وقوله * ( بِما أَراكَ ) * الفعل هنا متعد لاثنين أحدهما العائد المحذوف والآخر كاف الخطاب أي : بما أراكه اللَّه . أي : بما عرفك وأعلمك . وسمى ذلك العلم بالرؤية ، لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جاريا مجرى الرؤية في القوة والظهور . قال ابن كثير : احتج من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان صلى اللَّه عليه وسلم له أن يحكم بالاجتهاد بهذه الآية . وبما ثبت في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم سمع جلبة خصوم بباب حجرته فخرج إليهم فقال : « ألا إنما أنا بشر . وإنما أقضى بنحو مما أسمع . ولعل أحدكم أن
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 561 بتصريف يسير .