أي : إن اللَّه - تعالى - كان وما زال مهيمنا على عباده ، بصيرا بكل أقوالهم وأعمالهم ، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، وسيحاسب الناس يوم القيامة على أفعالهم ، وسيجازيهم عليها بما يستحقون فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه .
وإذا كان الأمر كذلك فالعاقل هو الذي يفعل ما أمره اللَّه - تعالى - بفعله ، ويجتنب ما أمره اللَّه - تعالى - باجتنابه .
هذا وقد تكلم العلماء هنا كلاما طويلا في كيفية السلام وفي فضله ، وفي بعض أحكامه المأثورة ، فارجع إلى كلامهم إن شئت « 1 » .
ثم بين - سبحانه - أن مصير العباد جميعا إليه يوم القيامة فقال - تعالى - * ( اللَّه لا إِله إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيه ) * .
أي : اللَّه الواحد الأحد الفرد الصمد والذي لا معبود بحق سواه ، كتب على نفسه أنه ليبعثنكم من قبوركم وليحشرنكم إلى الحساب في يوم القيامة الذي لا شك في حصوله ووقوعه .
فالجملة الكريمة قررت أن العبادة الحق إنما هي للَّه رب العالمين ، كما قررت أن يوم الحساب آت لا شك فيه مهما أنكره الملحدون ، ومارى فيه الممارون .
ولفظ الجلالة مبتدأ ، وجملة « لا إله إلا هو » خبر . وقوله * ( لَيَجْمَعَنَّكُمْ ) * جواب قسم محذوف . أي واللَّه ليحشرنكم من قبوركم للحساب يوم القيامة . والجملة القسمية إما مستأنفة لا محل لها من الإعراب ، أو هي خبر ثان للمبتدأ أو هي الخبر وجملة لا إله إلا هو معترضة .
وقوله * ( لا رَيْبَ فِيه ) * في محل نصب على الحال من يوم إذ الضمير في قوله ( فيه ) يعود إلى اليوم . ويجوز أن يكون في محل نصب على أنه نعت لمصدر محذوف دل عليه ليجمعنكم أي :
ليجمعنكم جمعا لا ريب فيه .
والاستفهام في قوله - تعالى - * ( ومَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّه حَدِيثاً ) * للإنكار والنفي أي : لا يوجد في هذا الوجود من هو أصدق من اللَّه - تعالى في حديثه وخبره ووعده ووعيده ، وذلك لأن الكذب قبيح ، واللَّه - تعالى - منزه عن كل قبيح . ولأن الكاذب إنما يكذب لجر منفعة ، أو لدفع مضرة ، أو لجهله بقبح الكذب . . واللَّه - تعالى - غنى عن كل شيء ، وقدير على كل شيء وخالق لكل شيء ، ومن كان كذلك لا يصدر عنه كذب وإنما يصدر عنه كل حق وصدق وعدل .
هامش
( 1 ) راجع القرطبي ج 5 ص 298 . والآلوسي ج 5 ص 98 . والفخر الرازي ج 10 ص 208 .