وقتالهم في سبيل اللَّه ، وهو الشفاعة الحسنة يكن له نصيب منها ، أي يكن له من شفاعته تلك نصيب ، وهو الحظ من ثواب اللَّه وجزيل كرامته . ومن يشفع وتر أهل الكفر باللَّه على المؤمنين به ، فيقاتلهم وذلك هو الشفاعة السيئة يكن له كفل منها . يعنى بالكفل : النصيب والحظ من الوزر والإثم ، وهو مأخوذ من كفل البعير والمركب ، وهو الكساء أو الشيء يهيأ عليه شبيه بالسرج على الدابة . يقال : جاء فلان مكتفلا : إذا جاء على مركب قد وطئ له . . . وقد قيل : إن الآية عنى بها شفاعة الناس بعضهم لبعض . وغير مستنكر أن تكون الآية نزلت فيما ذكر ، ثم عم بذلك كل شافع بخير أو شر .
وإنما اخترنا ما قلنا من القول في ذلك لأنه في سياق الآية التي أمر اللَّه نبيه فيها بحض المؤمنين على القتال . فكان ذلك بالوعد لمن أجاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم والوعيد لمن أبى إجابته أشبه منه من الحث على شفاعة الناس بعضهم لبعض التي لم يجر لها ذكر قبل . ولا لها ذكر بعد « 1 » .
وقوله * ( وكانَ اللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ) * تذييل قصد به تعريف الناس أنه - سبحانه - سيجازى كل إنسان بعمله ، حتى يكثروا من فعل الخير ويقلعوا عن فعل الشر .
ومقيتا : أي مقتدرا . من أقات على الشيء اقتدر عليه . ومنه قول الزبير ابن عبد المطلب :
وذي ضغن كففت النفس عنه
وكنت على مساءته مقيتا
أي : وكنت على رد إساءته مقتدرا .
أو مقيتا : معناها حفيظا من القوت وهو ما يمسك الرمق من الرزق وتحفظ به الحياة :
والمعنى : وكان اللَّه تعالى - وما زال على كل شيء مقتدرا لا يعجزه شيء ، وحفيظا على أحوال الناس لا يغيب عنه شيء من ذلك ، وسيجازيهم بما يستحقون من ثواب أو عقاب .
هذا وقد وردت أحاديث متعددة في الحض على الشفاعة الحسنة ، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري قال : « كان النبي صلى اللَّه عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال : « اشفعوا تؤجروا ويقضى اللَّه على لسان نبيه ما أحب » .
قال صاحب الكشاف : والشفاعة الحسنة هي التي روعي بها حق مسلم ، ودفع بها عنه شر أو جلب إليه خير ، وابتغى بها وجه اللَّه ، ولم تؤخذ عليها رشوة ، وكانت في أمر جائز ، لا في حد من حدود اللَّه ولا في حق من الحقوق - يعنى الواجبة عليه - والسيئة ما كانت بخلاف ذلك .
وعن مسروق : أنه شفع شفاعة . فأهدى إليه المشفوع له جارية . فغضب وردها . وقال :
لو علمت ما في قلبك ما تكلمت في حاجتك . ولا أتكلم فيما بقي منها » « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ج 5 ص 286
( 2 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 542 .