أولهما : أن هذه الآية نزلت في شأن المنافقين الذين تخلفوا عن الاشتراك مع المؤمنين في غزوة أحد . وذلك أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم خرج إلى أحد ومعه المسلمون . وفي الطريق رجع عبد اللَّه بن أبي بن سلول بثلث الناس وقالوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ فاختلف أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وسلم في شأن هؤلاء المنافقين . فقال بعضهم : نقتلهم فقد كفروا .
وقال آخرون : لم يكفروا . فأنزل اللَّه - تعالى - الآية . فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ( إنها طيبة وإنها تنفى الخبث كما ينفى الكير خبث الحديد ) :
أما الرواية الثانية : فيؤخذ منها أنها نزلت في قوم كانوا يظهرون الإسلام بمكة إلا أنهم كانوا يظاهرون المشركين . فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس أن قوما كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام وكانوا يظاهرون المشركين ، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم . فقالوا : إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس . وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة ، قالت فئة من المؤمنين : اركبوا إلى هؤلاء الخبثاء فاقتلوهم ، فإنهم يظاهرون عدوكم . وقالت فئة أخرى من المؤمنين : سبحان اللَّه : - أو كما قالوا - أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به ؟ أمن أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم تستحل دماؤهم وأموالهم ؟ فكانوا كذلك فئتين والرسول صلى اللَّه عليه وسلم عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شيء ، فنزلت : * ( فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ) * .
وهناك روايات أخرى قريبة من هذه الرواية في معناها قد ذكرها المفسرون « 1 » .
ويبدو لنا أن الرواية الثانية هي الأقرب إلى سياق الآيات وإلى الواقع التاريخي ، لأنه من الثابت تاريخيا أن منافقي المدينة لم يرد أمر بقتالهم ، وإنما استعمل معهم الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وسائل أخرى أدت إلى نبذهم وهوان أمرهم ، ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك * ( فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا ) * يؤيد أنه ليس المقصود بالمنافقين هنا منافقي المدينة ، وإنما المقصود بهم جماعة أخرى من المنافقين كانوا خارج المدينة ، إذ لا هجرة من المدينة إلى غيرها وإنما الهجرة تكون من غيرها إليها ، لأنها دار الإسلام ، ولم يكن فتح مكة قد تم عند نزول هذه الآية .
وقد رجح الإمام ابن جرير سبب النزول الذي حكته الرواية الثانية فقال ما ملخصه : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول اللَّه في قوم كانوا قد ارتدوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لأن قوله - تعالى - بعد ذلك * ( فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا ) * أوضح دليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة ، لأن الهجرة كانت على عهد رسول اللَّه إلى داره ومدينته من سائر أرض
هامش
( 1 ) راجع الآلوسي ج 5 ص 107 وتفسير الفخر الرازي ج 10 ص 281